عرض رسائل علمية: "النظام السياسي الأنجولي منذ عام 2002"
31 ديسمبر, 2018
عرض رسائل علمية: "النظام السياسي الأنجولي منذ عام 2002"

أولاً : موضوع الدراسة:

تتناول الدراسة "النظام السياسي الأنجولي منذ عام 2002"، وهو العام الذي شهد نهاية الحرب الأهلية في أنجولا، وذلك لأسباب موضوعية عدة، من أهمها استمرار النظام الحاكم منذ الاستقلال عن المستعمر البرتغالي في عام 1975 وحتى الوقت الراهن دون أن يقطع شيء استمرارية هذا النظام، رغم مرور البلاد بأطول حرب أهلية على مستوى القارة الأفريقية (1979 – 2002)، حيث استمرت 27 عامًا من الصراع المسلح. وبعد الاستقلال مباشرة، أسرعت الحركة الشعبية لتحرير أنجولا (مبلا) "الحزب الحاكم" وأعلنت جمهورية أنجولا الشعبية تحت رئاستها، ونجحت في الحصول على اعتراف دولي بها. ومنذ اعتلاء الحزب الحاكم (مبلا) الحكم في البلاد وحتى الآن فإنه لم يحدث تغيير جذري للمؤسسات والمبادئ التي يقوم عليها النظام الحاكم. ورغم تعرض هذا النظام إلى محاولات مناهضة له فإنه قضى على هذه المحاولات قبل قيامها، أو عند القيام، بما لم يؤثر في معطيات تفاعل هذا النظام ومتغيراته.

إن أنجولا نموذج بارز للدول التي أخذت بنظام الحزب الواحد وطبقته من عام 1975 وحتى نهاية عام 1992، حيث حكم حزب مبلا (MPLA) أنجولا منفردًا لمدة سبعة عشر عامًا، وأعقبها اثنان وعشرون عامًا في ظل تعددية حزبية (ولكن رغم تعدد الأحزاب فإنها جميعًا أحزاب شرفية، ليس لها دور سياسي قوي في الحياة السياسية الأنجولية، هذا مع السيطرة التامة للحزب الحاكم "مبلا" على مقاليد الحياة السياسية الأنجولية كافة). ودخل حزب "مبلا" في تنافس مع أحزاب جديدة في انتخابات برلمانية ورئاسية في أعوام 1992، 2008، 2012، وتمكن الحزب، في الانتخابات كلها، من تجاوز المعارضة والتنافس الحزبي، إذ كان الفوز حليفه فيها.

تحاول الدراسة أيضًا متابعة التغيرات الجوهرية لقواعد ونُظم عمل مؤسسات النظام السياسي الأنجولي، التي يقوم عليها، وكذلك عمليات التحديث والتطوير التي تبناها النظام الحاكم ابتداءً من الدستور، وتوجهات مؤسسات الدولة، وسياساتها، وممارساتها، وكيفية التعامل مع ثروات البلاد الهائلة، ومواردها المتعددة، وحقوق المواطنين، وحرياتهم.. وغيرها، التي يمكن أن تؤثر تأثيرًا واقعيًا في معطيات ومتغيرات وعمليات تفاعل هذا النظام.

ثانيا : أهمية الدراسة:

تتركز أهمية دراسة النظام السياسي الأنجولي في الكثير من العناصر منها:

1 - أن المجتمع الأنجولي مجتمع تعددي يزخر بمختلف صور وأشكال التعددية الإثنية، والدينية، والثقافية، واللغوية، والطبقية، والمهنية، والطائفية، والحزبية، والإقليمية... إلخ. ومن ثمّ فإن دراسة هذه الظاهرة في أنجولا تساعد كثيرًا في معرفة أسباب الانقسام والفرقة التي تسود المجتمع الأنجولي، وعطلت في كثير من الأحيان إمكانية النهوض والتقدم، وإنجاز أهداف خطط التنمية الاقتصادية، ومحاولات التنشئة والتعبئة والمشاركة السياسية على المستوى الوطني. إن دراسة ظاهرة التعددية في المجتمع الأنجولي تقود الباحث للتوصل إلى أهم خاصية للنظام السياسي الأنجولي، من خلال الإجابة عن تساؤل يتعلق بكيفية تعامل هذا النظام مع التعددية: هل النظام السياسي الأنجولي نظام توازن أم نظام صراع؟، هل هو نظام توازن بمعنى أنه يتضمن مصادر عديدة للسلطة والنفوذ والتأثير في عملية صنع القرار، كما يتضمن وجود حكم يزعم أنه يقوم على أسس ليبرالية سياسيًا واقتصاديًا؟

2 - أن استمرار النظام السياسي الأنجولي وبقاءه من وقت الاستقلال في عام 1975 حتى الوقت الراهن، رغمًا عن وجود تلك التعددية بصورها المختلفة وأشكالها المتنوعة داخل المجتمع الأنجولي، وفي ظل السيطرة والهيمنة الواضحة لنظام الحزب الواحد، هو من الأمور الجديرة بالمتابعة والمراجعة.

3 - أن إحكام النظام الحاكم سيطرته على مؤسسات الدولة، ومعاناة تلك المؤسسات من مشكلات الفساد السياسي والإداري، أفضت إلى العديد من الأزمات الداخلية، التي تعانيها أنجولا، وأدت بدورها إلى حالة عدم الاستقرار الداخلي، وهو أمر يُوجِبُ التناول والتعامل العلمي معه للوقوف على أسباب تلك المشكلات وتداعياتها الوطنية والإقليمية والدولية.

ثالثا :حدود الدراسة:

ترتكز بصفة أساسية على الفترة التي تبدأ من انتهاء الحرب الأهلية وإعلان المصالحة الوطنية عام 2002. ومع ذلك سيكون من الضروري الإشارة إلى المؤسسات الرسمية وغير الرسمية، التي نشأت منذ الاستقلال، للوقوف بشكل أفضل على جذور نشأة المؤسسات السياسية الأنجولية القائمة وتطورها، خصوصًا في ظل ما تمتعت به تلك المؤسسات من بقاء واستمرارية حتى الوقت الحاضر.

رابعًا. منهج الدراسة:

اتبع الباحث لدراسة وتحليل موضوع الدراسة منهج تحليل النظم كإطار عام، خصوصًا في ما يتعلق بتحليل العوامل المؤثرة في بيئة النظام السياسي، سواءً كانت داخلية أو خارجية، وتأثير تلك المحددات في الآليات والممارسات التي يقوم النظام السياسي بها، على اعتبار أن تلك التأثيرات تدور في إطار بيئة داخلية وخارجية، كما أن المخرجات المتعلقة بصنع القرارات تتأثر بعملية تنفيذ الممارسات في الواقع الفعلي، وهو ما يترتب عليه ردود فعل تتضح من عملية التغذية الاسترجاعية.

خامسا : تقسيم الدراسة:

ولتحقيق أهداف الدراسة والإجابة عن التساؤلات الرئيسة، قسم الباحث الدراسة إلى أربعة فصول وخاتمة كما يأتي:

الفصل الأول: يتناول البيئة الداخلية والبيئة الخارجية للنظام السياسي الأنجولي، إذ درس الباحث وحلل البيئة الداخلية للنظام السياسي، ومدى تأثير سيطرة الإثنية على تقسيم أنجولا إلى ثلاثة أقاليم، إذ أدت تلك السيطرة إلى حدوث انعكاسات داخلية أثرت في الأوضاع السياسية والاقتصادية والأمنية، وأيضًا التأثير الكبير في واقع التركيب الاجتماعي الطبقي للمجتمع، ثم تناول الباحث البيئة الخارجية للنظام السياسي بجانبيه الإقليمي والدولي، واتجاه الحكومة الأنجولية إلى إعادة صياغة الممارسات على الساحة الإقليمية والدولية؛ لتعميق العلاقات بالقوى الإقليمية والدولية.

الفصل الثاني: يتناول مؤسسات النظام السياسي الأنجولي الحكومية (الرسمية) وغير الحكومية (غير الرسمية)، إذ قام الباحث بدراسة وتحليل المؤسسات الرسمية الممثلة في: السلطة التشريعية، والسلطة التنفيذية، والسلطة القضائية، ثم تناول المؤسسات غير الرسمية الممثلة في: الأحزاب السياسية، والمؤسسات الجماهيرية، وعلاقة الحكومة الأنجولية بمنظمات المجتمع المدني.

الفصل الثالث: تَعَرَّضَ الباحث فيه إلى ممارسات النظام السياسي الأنجولي على المستوى المحلي والإقليمي والدولي، وتوضيح كيف فرضت النخبة الحاكمة سيطرتها على مقاليد الحكم في البلاد كافة، ثم تناول الباحث الاستراتيجيات التي اتبعها النظام السياسي لتعزيز موقفه الإقليمي؛ لإنهاء الخلافات والتوترات مع دول الجوار الإقليمي، واستغلال قوته النفطية في علاقاته الدولية، ما جعل أنجولا شريكًا رئيسًا مع القوى الدولية الكبرى.

الفصل الرابع: تناول تقييم النظام السياسي الأنجولي عن طريق التركيز على تقييم القدرة التنظيمية للنظام السياسي وتأثيرها في البلاد، وتقييم القدرة الاستخراجية للنظام السياسي، والعوامل المؤثرة في الاستخراج، والتحديات التي تواجه النظام السياسي، وأيضًا تقييم القدرة التوزيعية للنظام السياسي، والتحديات والمشكلات التي تواجهه، وأثر الظلم في توزيع الثروة في البلاد.

بعد دراسة وتحليل النظام السياسي الأنجولي في إطار ممارساته الفعلية، وقدرته على الاستخراج والتوزيع؛ طبقًا للمتغيرات الداخلية، والإقليمية، والدولية، والمستجدات على الساحة الأنجولية، توصل الباحث في الخاتمة إلى نتائج عوامل الاستقرار وعدم الاستقرار، والاحتمالات المستقبلية للنظام السياسي الأنجولي.

سادسًا: نتائج الدراسة:

أكدت الدراسة، بأدلة عملية واضحة، أنه لا يمكن وصف النظام السياسي الأنجولي بـ"الاستقرار"، وفي الوقت ذاته لا يمكن وصفه بـ"التحلل والتفسخ"، بل على العكس يتصف بالقوة والقدرة على الاستمرار وتجاوز المشكلات، وإن لم يضع لها حلولاً جذرية. وحتى إن كانت سياسات النظام سببًا في نشأة مشكلات جديدة فإنه قادر على إجراء عمليات إحلال وتغيير متجددة لمختلف الأسس والمبادئ والقواعد والإجراءات، التي تحكم التفاعلات السياسية بين مختلف أطر هذا النظام ومتغيراته.

ومن هنا، يمكن توضيح أن النظام السياسي الأنجولي نظام صراع؛ لأنه منذ وصول الحزب الحاكم إلى الحكم في عام 1975 وهو يواجه عددًا كبيرًا من المشكلات والأزمات، غير أنه بمساعدة النخبة الحاكمة تمكَّن من التصدي لهذه المشكلات، وسيطر على مقاليد الحكم في البلاد، وهيمن على قطاعات الدولة كافة.

فالمجتمع الأنجولي غير متجانس؛ لأنه يتسم بالتعددية بكل صورها، من جماعات إثنية، ولغوية، وطائفية، كلها مختلفة في الحجم، والتنظيم السياسي، ومستوى التنشئة الاجتماعية والتعليمية والتنمية الاقتصادية، كما يزخر المجتمع الأنجولي بالتعددية الدينية، والثقافية، والحزبية، والإقليمية، ما يؤدي إلى الانقسام بين أفراد الشعب الأنجولي، وعدم وجود هوية وطنية واحدة، وهي المشكلة الكبرى التي أدت إلى عدم تحقيق الاندماج الوطني ومثلت "أزمة هوية" بين أفراد المجتمع الواحد. هذا الوضع أصبح سببًا رئيسًا لنزاعات إثنية مستمرة بين الجماعة الحاكمة (الكيمبوندو) وبقية الجماعات الأخرى؛ لأن جماعة "الكيمبوندو" أحكمت سيطرتها على قطاعات الاقتصاد كافة؛ من أجل تكوين طبقة رأسمالية قوية تدعمها الحكومة والحزب الحاكم، كما أنشأت وكالات جديدة للتنمية؛ لإحكام السيطرة على عملية إحلال أفراد الجماعة والحزب الحاكم (مبلا) محل الرأسماليين من باقي الجماعات الأخرى، والهيمنة على القطاع التجاري، والزراعي، والصناعي. ما أثر سلبًا على عملية التحول الديمقراطي لعدم توافر الحكم الرشيد الذي أنشأ طبقة بيروقراطية برجوازية مهيمنة طبقًا لمصالحها دون النظر للمصلحة القومية.

كما شهد النظام الأنجولي عمليات تغيير عدة في الدستور، والسلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية، وتنظيم السلطات المحلية، كما شهد إحلالاً للنظام الانتخابي. ويؤخذ على هذا النظام أن كل عمليات التغيير والإحلال تمت بوسائل سلطوية، إذ كانت بمبادرة وإدارة من يتولى قمة الهرم السلطوي في أنجولا، وطبقًا لما يحقق مصالح النخبة الحاكمة والجماعة المؤيدة له، وليس بمشاركة الجماهير وإجماعها، ورضا كل الجماعات الإثنية الأنجولية، ففي كل عملية إحلال وتغيير كانت الجماهير الأنجولية منقسمة على نفسها بين مؤيدين فائزين أصحاب مصلحة في إجراء التغيير وبين معارضين خاسرين لأن التغيير ضد مصالحهم. واستخدمت الحكومة في هذه العهود وسائل العنف لقمع المعارضين، واستخدم المعارضون وسائل العنف لمقاومتها وتهديدها للكف عن اتخاذ سياسات تضر بمصالحهم، أو لإجبارهم على قبول مطالبهم.

وانطلاقًا من هذا الإطار، اتضح أن هناك عددًا من العوامل السياسية تكمن وراء تفاقم المشكلات السياسية الأنجولية وتحولها إلى أزمات يصعب على النظام السياسي الأنجولي إيجاد حلول لها دون أن يخرج القائمون على السلطة السياسية خاسرين، ومن أهم هذه العوامل:

أولاً: استمرار الحكام الديكتاتوريين الفاسدين في السلطة دون الاعتماد على شرعية وطنية حقيقية على مدى عقود عدة (منذ الاستقلال حتى الآن).

ثانيًا: استحواذ هؤلاء الحكام وأنصارهم على أكبر قدر ممكن من المكاسب والعوائد السياسية والاقتصادية والاجتماعية في أنجولا.

ثالثًا: غياب العدالة في توزيع القيم السياسية والاقتصادية والاجتماعية بين مختلف فئات الشعب الأنجولي ومجموعاته، ما أدى إلى تعميق الانقسامات والخلافات الاجتماعية المتعددة، خصوصًا الإثنية منها.

 سابعا: خلاصــة الدراسة

 إلى أن الفساد السياسي والمالي في أنجولا في عهد "خوسيه إدواردو دوس سانتوس" هو من المشكلات الخطيرة التي تهدد النظام الأنجولي بالانهيار، وأدى إلى زوال الثقة بين الشعب والحكومة، ومن ثمّ انعدام شرعية هذا النظام ومشروعية سياساته وقراراته. واستشرى هذا الفساد في قمة هرم السلطة السياسية، ثم تشعّب في مختلف المواقع القيادية والمراكز الإدارية، وأطر النظام الاقتصادية، والسياسية، والاجتماعية.

وكان الوصول إلى المناصب المسئولة في الدولة، على مدى سنوات عدة ماضية، يتم عن طريق أشكال متنوعة ومختلفة من التلاعب في أساليب الدولة، واتباع القواعد البيروقراطية لمنفعة شخصية، واستخدام كل المجلات في حالات عدة للوصول إلى المنفعة الشخصية، إذ اعتبر بعض هؤلاء الناس أنه من المناسب التواطؤ مع جميع الأطراف الذين يعملون في التجارة والصناعة لسرقة الأموال بالعملة المحلية أو الأجنبية على حد سواء، بقدر ما لا يضر بالمكاسب الخاصة، التي تُخدم من قبل القائمين على النظام الحاكم والقانون، والمعايير السائدة في المجتمع، إذ تُعد عمومًا أنها أعمال غير مشروعة وفاسدة، وتتضح باتباع بعض هؤلاء الأفراد أشكال السلوك الفاسد، التي تُولد سلوكًا فاسدًا يعمق جذور الفساد داخل البلاد بسرعة عالية. عمومًا، ظل الفساد حقيقة واقعية داخل المجتمع الأنجولي، وانتشرت النماذج المؤثرة حتى أصبح الفساد ملازمًا للبيروقراطية السائدة.