الأبنودى ...حدوتة مصرية – أفريقية
12 فبراير, 2019
الأبنودى ...حدوتة مصرية – أفريقية

(تمنى لو أمكنه المزاوجة بين الجنسيتين المصرية والسودانية ليحمل كليهما).. هكذا كان عشق الشاعر الراحل "عبد الرحمن الابنودى" للسودان الشقيق وكأنه نصف القلب ونصف الروح ونصف الهوية، فلم تراوده الأمانى بامتلاك جنسية أخرى بعد جنسيته المصرية سوى تلك السودانية ...!!

تمتع الأبنودى الحبيب بشعبية جارفة لدى الشعب السودانى الذى اعتبره كما القيمة المجردة التى لا تحمل تحقيق شخصية، لكنها تمتلك هوية فضفاضة تستوعب كافة الأوجاع، فالطالما عكست أعماله الأدبية وأشعاره واقعاً يعيشه العرب كافة، كما كان لإبداعاته شذى خاص يلف ويجوب الثقافة الجنوبية، نظراً لما حملته من اقتراب وثيق وملامسة حقيقية لطبيعة الحياه داخل تلك المجتمعات وما تحفل به من عادات وتقاليد.

وراحت السودان تفضى بعشقها المماثل للخال عندما رثته من صميم قلبها، حيث أقام الإتحاد العام للأدباء والكتاب السودانيين تأبيناً للشاعر الراحل تقديراً لمكانته الأدبية وتبجيلاً لقيمته الإبداعية التى لم تكن تختلف عن مكانة الشاعر السودانى "محمد الفيتورى" الذى وافته المنية بعد أيام قلائل من رحيل" الخال"، وكأن رحيلهما المتزامن يترك أفريقيا الجميلة "مكلومة "، فخسارتها مضاعفة بفقد أثنين من أهم وأبرز وأصدق شعراء القارة السمراء .

نعم .. رحل كنز الصعيد الثمين ..صاحب الحضور التلقائى والثراء البكر والإلقاء اليقظ ..رحل " الأبنودى ..تميمة الثورات المصرية " عن عالمنا تاركاً ذلك الفراغ القاسى بإعتباره (أيقونة) غير قابلة للتكرار، فكان استثناءً بكل المقاييس، حيث خيم الحزن على مصر والأمة العربية بأكملها فى الحادى والعشرين من أبريل الماضى لهذا العام عقب إعلان نبأ وفاته فى منزله بمدينة الإسماعلية عن عمر يناهز 76 عاماً بعد صراع مع المرض .

هذا وقد أقامت دار الأوبرا المصرية إحتفالية فنية كبيرة بعنوان " وداعاً يا خال" إحتفاءً بتاريخ وقيمة الشاعر الراحل عبد الرحمن الأبنودى والذى أحيتها الفرقة القومية العربية للموسيقى و تضمنت أشهر الأغانى التى كتبها على مدار مشواره الفنى الطويل ... كما ستحمل الدورة الـ 24 لمهرجان الموسيقى العربية التى ستُقام في نوفمبر المُقبل اسم (الأبنودى) إهداءً إلى روحه وتقديرًا لمشواره الإبداعى الطويل فى حب الوطن .

 كما أقام المعهد العالى للفنون المسرحية احتفالية تحمل عنوان "ليلة فى حب الأبنودى" التى شارك فيها عدد من طلبة المعهد العالى للفنون المسرحية وقاموا بإلقاء عدد من أشعاره التى تم اختيارها من مجمل أعماله، فضلاً عن حفل تأبين إقامته نقابة الصحفيين للشاعر الكبير نظراً لإقتصار العزاء على ذلك الذي أقيم في مدينة الإسماعيلية إلتزاماً بوصيته بعدم إقامة مراسم عزاء له في القاهرة وسرعه دفنه .

مشواره الفنى وأهم محطاته الإبداعية

ولد الأبنودى عام 1939 فى قرية " أبنود " بمحافظة قنا، وكان لثقافة الجنوب وأجواءها الأصيلة أثرها فى تفرده،  تأثر كثيراً فى طفولته  بأغانى السيرة الهلالية التى طالما جذبته وصارت فيما بعد من أهم اعماله ، كما ألف كتاباً بعنوان " أيامى الحلوة " من ثلاثة أجزاء تضمن سرداً لقصة حياته ومشواره الإبداعى .. وقد حصل الأبنودي على جائزة الدولة التقديرية عام 2001  ليكون بذلك أول شاعر عامية مصري يفوز بجائزة الدولة التقديرية، كما فاز بجائزة محمود درويش للإبداع العربي لعام 2014.

 ومن أبرز كنوزه الأدبية التى تركها لنتكىء عليها فى ليل رحيله ...

القصائد والدواوين

  • "جوابات حراجى القط ": وهى مجموعة من القصائد العامية فى صورة جوابات كان يرسلها عامل في السد العالي إلى زوجته .
  • "السيرة الهلالية " وهى توليفة خاصة من الفلكور المصري يروي خلالها سيرة بني هلال التى عكف على تدوينها وجمعها من صعيد مصر حفاظاً عليها من الضياع والإندثار .
  • كذلك تضمنت دواوينه الأولى ( أنا والناس – بعد التحية والسلام ) قصائداً متعددة عن نضال مدينة السويس، حين أطاحت ظلال نكسة 1967 السوداوية بأحلام الشعب وأغرقته بمستنقع الأحباط  آنذاك، وقتها حمل الابنودى تلك الفترة العصيبة على أكتافه مؤكداً على انتمائه الراسخ للقضية و لهذه الارض وأثبت أنه شاعرها ومنشدها ومن دراويش عشقها .
  • ومن قصائده الطويلة الأكثر شهرة قصيدتى (موت على الأسفلت) و (الاستعمار العربى) ، كما نظم العديد من القصائد الثورية إبان فترة ثورة 25 يناير التى شجع فيها الثورة و الثوار ، وكانت آخر أعماله قصيدة "مرسال" .

الكتابات الغنائية

تعاون الأبنودى مع كبار الفنانين المصريين والعرب، فإذا بها كلماته  تكتسى حساً وتكتسب مذاقاً بأصوات عمالقة الغناء العربى من كل الأجيال، حيث مثلت أغنياته علامات بارزة في تاريخ الفن المصري الحديث .

  • وكان للعندليب الأسمر عبد الحليم حافظ نصيب الأسد من هذه الأشعار التى فاضت بحس ثورى خصب ، ومن أشهر ما تغنى به للشاعر عبد الرحمن الأبنودى (عدى النهار، أحلف بسماها وبترابها، أنا كل ما أقول التوبة، صباح الخير يا سينا ، المسيح ، إبنك يقول لك يا بطل، بركان الغضب، راية العرب، الفنارة ، يا بلدنا لا تنامي، اضرب اضرب ، إنذار بالدم) .. وتبدو النزعة الوطنية الثورية طاغية فى هذه الأغنيات ، فظلت حماستها دافئة فتيه لم ينل منها الزمان .
  • كما تغنت بكلماته السلسة المطربة القديرة شادية فى كل من ( آه يا أسمراني اللون ، قالى الوداع ) فضلاً عن أغاني فيلم شئ من الخوف ، تلك الملحمة الحسية التى دارت كواليسها فى جوف الصعيد المصرى وجسدت صراع التقاليد العتيقة مع أحاسيس وليدة مكبلة وكأنه الضوء الذى يوأد فى رحم الظلام الدامس .
  • وإذا بها نجاه الصغيرة تَحمِلنا بصوتها الرخيم على ضفافها الرطبة عندما تغنت برائعتى (عيون القلب – قصص الحب الجميلة ) من نظمه الرائع ، فسطعت على مرآه صوتها تلك العاطفة الوقورة الثرية التى صاغها بحسه الغزير المتأنى .
  • كما صدحت الشحرورة بأشهر أغانيها " ساعات ساعات " التى رسم خلالها لوحة نصفها معتم ونصفها مضىء شارحاً كيف تتبسم الحياه وتلون بشذاها مذاق الأيام فيصير شهداً ، وكيف تَعبُس فتحوله مُراً ، وإذا بها وردة الجزائرية تداعب أحاسيسنا بـ ( طبعاً أحباب ) التى هى واحدة من أميز وأجمل أغانيها ، حيث تجلى فيها قلم الأبنودى ، فإذا به ينتشى وينظم وصلاً جميلاً بحروفه المتألقة .
  • كان الأبنودى من أشد المغرمين بصوت الفنان الراحل محمد رشدى ونظم له العديد من الأغانى، أشهرها (عدوية ، عرباوي ، تحت الشجرة يا وهيبة) ، كما كانت تربطة علاقة صداقة قوية بالمطرب النوبى محمد منير الذى تغنى بالعديد من أشعاره فى أشهر أغانيه ومنها (شوكولاتة، برة الشبابيك، الليلة ديا ، يا حمام ، يا رمان ) وكلها ذات طابع فلكلورى مُعبر .
  • قام بكتابة أغاني العديد من المسلسلات والأفلام مثل مسلسلى (النديم - ذئاب الجبل) وفيلمى(شيء من الخوف- البريء )  ، فكانت الأغانى لا تقل ثراءً عن سيناريو وحوار هذه الأعمال، بل كانت قاعدة أساسية يرتكز عليها بنيان النسيج الدرامى للأحداث، كما شارك فى كتابة الحوار لفيلمى (شىء من الخوف -الطوق والأسورة )، فبدا الحوار مُتقناً ومطابقاً لما تضمنه من محاكاة واقعية لبيئة الأحداث .

مقتطفات من أشعاره

  • كانت مدينة "السويس" من أهم المحطات فى حياة "الخال"، حيث مَثل تاريخها النضالى محطة من أهم المحطات الابداعية والانسانية في مسيرة الابنودى الشاعر والانسان .. وكانت أغنية " يا بيوت السويس " من أجمل واقوى أغانيه التى ولدت من رحم الهزيمة وجعلت النصر طوق ياسمين ، وكلماتها تقول :

يا بيوت السويس يا بيوت مدينتى

استشهد تحتك وتعيش انتي

يا بيوت السويس

استشهد والله وف ايدى أكفانى

فداكى وفدا اهلى وبنيانى

  • وعلى الرغم من بساطة كلماته وسلاستها إلا انها كانت تحتضن فلسفة عميقة ونفاذ عجيب يصيب بالقشعريرة ، فبدا الموت وكأنه ضيفاً خفيف الظل لا يتوجب تحاشيه أو التنكر له ، عندما قال :

أوعى تصدقها الدنيا

غش فغش

اذا جاك الموت يا ولدى

موت على طول

اللى اتخطفوا فضلوا أحباب

صاحيين فى القلب

كأن محدش غاب

وأخيراً  يبقى (الخال) رغم البعاد جسراً من المعانى الصادقة حَبت عليه أحلام أجيال مصرية وعربية متعاقبة ، فقد حمل على عاتقه هموماً صماء بكماء قرر تحريرها واطلاق سراحها فى المدى لتصرخ مدوية...نعم انطفأت شموعه ، لكن مازال ضيها يتلألأ فى الأفق البعيد ... نعم توقف نبضه فى سكينة الشهداء ، لكن قلبه وزع ابوته ففاضت على ربوع الوطن بأكمله ...نعم توقف ذلك القلب الذى ظل ينبض بعدد دقاته حروفاً فى عشق الجميلة (مصر) وفى هوى الأمه العربية بأكملها ، لكنى أردد وسط النحيب : " دقيقة حداد "...

عالقلب اللى ما فى يوم هان ... عالضمير اللى ما في يوم خان

عالحب على عالطول كان  ... زى ما حِلم بيه الزمان

الوداع يا ريحانة الميدان ... ياللى فى  الفضا أقسمت إنك انسان

الله عليك يا (خال) ..علمتنى الإرتجال وأنا بقرا الفاتحة على روحك وبقول الله يرحم الغاليين، اللى ما فى يوم راح يرحلوا مهما تمر السنين .. الوداع  يا شذى الياسمين .. يا  زهر الميادين .. يا ابو المبدعين .

إعداد: شرين ماهر