الزعيم التنزانى جوليوس نيريري
23 فبراير, 2019
الزعيم التنزانى جوليوس نيريري

هو أحد الآباء المؤسسين الذين حلموا بإفريقيا مستقلة تمتلك كلمتها وإرادتها..سجل اسمه بحروف من نور فى تاريخ بلاده وكيف لا وهو صانع إستقلالها..مثلما سجل اسمه فى تاريخ إفريقيا قارتنا وكيف لا وهو أحد المؤسسيين لمنظمة الوحدة الإفريقية..وسجل أسمه فى باب الحكمة فى التاريخ الإفريقى عندما تخلى طواعية عن الحكم عندما شعر أنه أدى واجبه وأنه قد آن الأوان لتسليم الراية إلى أجيال جديدة .. إنه الزعيم التنزانى جوليوس نيريرى الذى نستعرض صفحات من سيرته ومسيرته فيما يلى :

نشأته

 ولد نيريري في مارس 1922 بقرية ) بوتياما) القريبة من بحيرة فيكتوريا  ينحدر من قبيلة  (زانكي ( التي تعمل بالرعي، تلقى تعليمه الأولي فى بلدة موسوما ثم انتقل إلي مدرسة تابورا الثانوية التابعة للكنيسة الكاثوليكية ومنها إلي كلية ماكيريري بأوغندا حيث حصل على دبلوم فى التربية ثم سافر لإكمال دراسته العليا في كلية أدنبرة البريطانية ،عقب عودته من انجلترا عمل نيريري بالتدريس في كلية سان فرانسيس في مدينة (يوكو(  حيث عمل  وجاهد من أجل محو الأمية المنتشرة بين مواطنيه متحلياً بالصبر في سبيل تأدية رسالته التعليمية على أكمل وجه.

مرحلة الكفاح :

عاش نيريري كغيره من مواطني تنجانيقا ذل ومرارة الاستعمار الإنجليزي لبلاده، وشعر بأن عليه دور كبير تجاه وطنه فانخرط بالعمل السياسي إضافة إلى التعليم، وبمرور الوقت أشغلته السياسة بمتاعبها وثقلت أعباءه ففضل ترك التدريس ليتفرغ للعمل الجهادي .

في عام 1954 أسس نيريري حزب تنجانيقا الوطني الأفريقي (تانو) الذي هدف إلي الدعوة للتحرر السلمي فاستطاع استقطاب العناصر المثقفة فى بلاده وأصبح ذا تأثير قوي بين الجماهير، وركز على ضرورة التخلص من كل أشكال التميُز والانعزالية والقبلية فى بلاده من أجل تحقيق التكاتف الوطني والمطالبة بمشاركة مواطنيه فى أجهزة الدولة والحكم ، لم تكن مهمته باليسيرة إذ كانت سلطات الاحتلال فى تنجانيقا حجر عثرة أمام توحيد صف الجماهير، خاصةً وأن السياسة البريطانية كانت تكرس القبلية وتشجع الزعامات التقليدية فى إفريقيا، لكن نيريري أصر على مقاومة هذا التيار ودفع الشعب إلى التخلي عن العادات والالتزامات القبلية.

نجح نيريري في توسيع دائرة نشاط حزبه بحيث شملت المناطق والفئات الريفية والعمالية بعد أن كانت قاعدة الحزب الواسعة تعتمد على سكان المدن كما استطاع كسب نقابات العمال التى كان ظهورها قد تبلور منذ عام 1947 عقب عودة الجنود من الحرب العالمية الثانية.

لم يطالب نيريري فى بداية رحلة الكفاح بالاستقلال الآني مفضلاً إحداث ثورة دستورية تتيح ظهور أجهزة يعبر الشعب من خلالها عن إرادته وبالتالي تتسع دائرة التمثيل الإفريقي، الأمر الذي اضطر الحاكم البريطاني إلى زيادة عدد الأعضاء الأفارقة فى الجمعية التشريعية وبالتدريج أخذ نيريري فى الدعوة إلى الاعتراف بحق تنجانيقا فى الحكم الذاتي وطالب بريطانيا بتحديد موعد للاستقلال مما دفع سلطات الاحتلال إلى القبض عليه وسجنه فإذدادت شعبيته  بين مواطنيه.

حاولت بريطانيا إثارة الفتنة بين أفراد الشعب فى تنجانيقا فعملت على تأسيس حزب منافس لحزب تانو الذى يتزعمه نيريري بعد أن سمحت بالاشتراك فيه لكل الأجناس التي تسكن البلاد، إلا أن نيريري فاجئها بأن فتح أبواب حزبه هو أيضا أمام جميع الأجناس، وطالب مجلس الوصاية بأن يعترف بحزبه كممثل شرعي لشعب تنجانيقا، واقترح بأن تحصل بلاده على الاستقلال فى عام 1959 فلما رفض طلبه استقال من المجلس التشريعى الذى كان قد انضم إليه عام 1957 .

  فى عام  1959 وعندما أجريت انتخابات استطاع حزب نيريري الحصول على شعبية منقطعة النظير فاستحال على بريطانيا إنكار أن الحزب هو لسان حال شعب تنجانيقا، أدركت الحكومة البريطانية أنه لابد من إزالة الحواجز أمام التمثيل الديمقراطى فى تنجانيقا.

  في عام 1961 حصلت تنجانيقا على الاستقلال وأصبح نيريري رئيسًا للوزراء لكنه لم يمكث في هذا المنصب طويلاً وتركه ليتفرغ لتنظيم حزبه وتفعيل دوره السياسي.

  في عام 1964 تم إعلان الاتحاد بين تنجانيقا وجارتها زنجبار التي كانت قد حصلت على استقلالها عام 1963 فتوحد البلدان في دولة واحدة سميت بـ تنزانيا وانتخب جوليوس نيريري رئيساً لها وعبيد كرومي رئيس زنجبار نائباً للرئيس .

  ظل نيريري يحتفظ برئاسة الجمهورية وانتخب لأربع مرات للفترات الرئاسية من (1965، 1970، 1975، و1980)  بفضل التأييد الشعبي الذي كان يحظى به، وبالرغم من محاولات التآمر الخارجي للإطاحة به إلا أنه كان يقظاً وحازماً في مواجهتها.

عني نيريري خلال سنوات حكمه لتنزانيا بتحسين الأوضاع المعيشية لأبناء شعبه، ورفع مستوي التعليم بينهم، وتوفير الرعاية الصحية للجميع وكما كان نيريري رجل إصلاح داخلي كان أحد كبار الدعاة للوحدة الأفريقية وأحد مؤسسي منظمة الوحدة الأفريقية عام 1963 وفي مؤتمرها التأسيسي بأديس أبابا قال "إننا نؤمن بهذه الوحدة إيماننا بإفريقيا ذاتها"

كان نيريري غيوراً على كرامة وشرف الأفارقة ومدافعاً عن قضاياهم في كل المحافل الدولية، ظل نيريري يمارس عمله بهمة وإخلاص حتى عام 1985 حيث تخلى طواعية عن منصب رئاسة الجمهورية التنزانية.

وارتبط الزعيم التنزاني جوليوس نيريري بعلاقات صداقة وطيدة مع الزعيم المصرى الراحل جمال عبد الناصر.. وفى كلمته أمام برلمان تنزانيا فى سبتمبر 1966 قال الزعيم الراحل جمال عبد الناصر "إنه شرف أعتز به أن أقف اليوم أمام الطلائع القائدة فى شعب تنزانيا العظيم الممثلة لأمله وإرادته فى الحرية السياسية والحرية الاجتماعية، والممثلة فى نفس الوقت لأمله وإرادته فى الوحدة الوطنية والإفريقية وحرية كل وطن إفريقى سياسياً واجتماعياً ووحدته وطنياً وفكرياً هى مراكز التأهب السليمة والقواعد الحامية للتقدم إلى الحرية الأكبر والوحدة الأكبر لإفريقيا العظيمة المناضلة، ولقد كنا دائماً فى الجمهورية العربية المتحدة ننظر بكل إعجاب إلى جهودكم من أجل الحرية بجوانبها المتعددة والوحدة بأسسها الضرورية، وأؤكد لكم أن هذه الزيارة ضاعفت من إعجابنا بما تقومون به وزادت من إيماننا بقدرتكم على تحقيق أهدافكم تحت قيادة المناضل الصلب والقائد الشجاع "جوليوس نيريرى"، ذلك الابن المخلص لتنزانيا وإفريقيا والإنسانية".

رحل نيريري في الرابع عشر من أكتوبر عام 1999عن عمر ناهز 77 عاماً بعد مسيرة حافلة بالعطاء والتضحية من أجل رفعة وكرامة بلاده والأفارقة جميعاً تاركاً بصمة كبيرة فى دروس الديمقراطية والكرامة الوطنية. 

 

إعداد :أيمن المقدم