أم كلثوم .. سفيرة الفن العربى والأفريقى
24 مارس, 2019
أم كلثوم .. سفيرة الفن العربى والأفريقى

إعداد/ شيرين ماهر

 

"ثومة" التى عرفها الملايين على مدى نصف قرن من العطاء المتواصل والنجاح الباهر، بصوتها العذب وأداءها الرائع وتعبيرها الأخاذ، ورحلتها المليئة بالكفاح والإصرار على التفوق حتى آخر العمر، وهبت فنها للجميع، وأنشدت ما اهتزت له مشاعر العرب شرقًا وغربًا على مدى عشرات السنين، فشاءت لها الأقدار أن يتعتق فنها كأريج الزهور، الذى يزداد عبقاً كلما مر عليه الوقت.. فهل حقاً نستشعر رحيل كوكب الشرق "أم كلثوم" وغياب إشراقتها عن القلوب ؟ أم أن صوتها الذهبى له سلطانه على الجميع حتى الأن ؟

الواقع أن غياب "أم كلثوم" عن عالمنا قد تجاوز الأربعة عقود، لكنه فى حقيقة الأمر لا يوثق سوى خلودها الفردوسى بالروح والقلب، فقد بلغت مكانة فى الوجدان لا ينازعها فيها سواها، وتربعت على عرش الذائقة على اختلاف الأجناس والأقطار. ورغم غروبها عن عالمنا، إلا أن دفء لياليها الطربية وإحساسها المتراكم داخلنا لا يزال يغمر محيطنا العربى والأفريقى، وكأنها تشدو كعادتها فى هالتها المهيبة، بينما ينتظرها الجموع، كى ينعموا بخشوع الإنصات والاستغراق فى محراب فنها الأصيل، فهى بمثابة الفاصل الجميل، الذى نهتدى به إلى الضفة الأقل صخباً من الحياة..!!

 

ثومة.. فى سطور

اسمها الحقيقي فاطمة إبراهيم السيد البلتاجي، وتُعرف أيضًا بعدة ألقاب أبرزها: “ثومة، والجامعة العربية، والست، وسيدة الغناء العربي، وشمس الأصيل، وصاحبة العصمة، وكوكب الشرق، وقيثارة الشرق، وفنانة الشعب"، وتُعد أم كلثوم من أبرز مطربي القرن العشرين، وبدأت مشوارها الفني في سن الطفولة، واشتهرت في مصر وعموم الوطن العربي.

وُلِدت في 31 ديسمبر 1898 في قرية صغيرة قرب مدينة المنصورة تسمى "طماي الزهايرة" بمحافظة الدقهلية، لم يكن أحد يتوقع مستقبلاً يُذكَر لطفلة من أسرة فقيرة تقطن بقرية ليس بها مدرسة واحدة، لكن القدر خبأ لها الكثير. ذاع صيت أم كلثوم منذ صغرها، حيث تعرف والدها على الشيخين زكريا أحمد، وأبو العلا محمد، اللذين جاءا إلى السنبلاوين لإحياء ليالي رمضان، وبكثير من الإلحاح أقنعا الأب بالانتقال إلى القاهرة ومعه أم كلثوم. كانت تلك الخطوة الأولى في مشوارها الفني. حينها أحيت ليلة الإسراء والمعراج بقصر "عز الدين يكن" باشا، وأعطتها سيدة القصر خاتمًا ذهبيًا و3 جنيهات أجرًا لها.

في العام 1921، عادت “أم كلثوم” إلى القاهرة لتغني مع فرقة والدها، وواتتها الفرصة لكي يسمع صوتها جمهور العاصمة وفنانيها مثل الشيخ علي محمود، والشيخ علي القصبجي، والد محمد القصبجي، والشيخ أبو العلا محمد، وقد أعجب بصوتها وأصبح معلمها الأول، ثم غنت له بعض القصائد وشجعها على ارتياد مجالات جديدة في الغناء غير التواشيح.

بدأت أم كلثوم، فى عام 1923، إحياء حفلات بعض أعيان القاهرة التي تم ترتيبها بواسطة متعهدي الحفلات في العاصمة، وبدأ نجمها يسطع ودخلت في منافسة مع أشهر مطربات ذلك الوقت، مثل نعيمة المصرية، ومنيرة المهدية، وفاطمة سري، وفتحية أحمد. وفي العام 1924 قدم الشيخ أبو العلا، أم كلثوم، إلى الشاعر أحمد رامي الذي تولى تعليمها أصول اللغة والشعر، وأظهرت استعدادًا كبيرًا للتعلم فتحسن مستواها، وأضافت مهارات جديدة إلى مهاراتها الغنائية، ومع استعدادها الشخصي للتطور أُتيحَت لها فرصة اكتساب أسلوب حياة المدينة باختلاطها بسيدات الطبقة الراقية، من خلال حفلاتها في العاصمة، غيرت من مظهرها وأسلوبها وأصبح لها كيان جديد.

ظهرت أم كلثوم في أول فيلم سينمائي لها بعنوان «وداد» قصة أحمد رامي في العام 1936، وقامت ببطولته تمثيلاً وغناءً، تلته 5 أفلام أخرى قدمت فيها العديد من الأغاني لكبار الملحنين كان آخرها فيلم «فاطمة» عام 1947، وهو آخر ظهور لها في السينما، والأفلام هي «وداد  عام 1936 – عايـدة  عام 1942 – نشيد الأمل  عام 1937 –  سلامة عام 1945 – دنانير عام  1940 –  فاطمة  عام 1947. وقدمت “أم كلثوم” آخر أفلامها «فاطمة» في عام 1947، عن قصة مصطفى أمين، وقامت ببطولته تمثيلاً وغناءً أمام أنور وجدي، وبه عدد من الأغاني الدرامية «أقابله بكرة»، و«نصرة قوية»، و«الورد جميل» ألحان زكريا أحمد.

حصلت أم كلثوم على العديد من الجوائز والأوسمة أثناء رحلتها الطويلة مع الفن، ففي عام 1955 نالت وسام الأرز ووسام الاستحقاق من الدرجة الأولى في لبنان. وكذلك وسام الكمال في مصر من الملك فاروق. وفي عام 1968 حصلت على جائزة الدولة التقديرية، وعلى وسام النهضة الأردني ونيشان الرافدين العراقي ووسام الاستحقاق السوري، ووسام نجمة الاستحقاق الباكستاني، كما حصلت “كوكب الشرق” أيضًا على وسام الجمهورية الأكبر من تونس 1968، ووسام الكفاءة المغربي، وتم انتخابها كعضو شرف في جمعية "مارك توين" الأمريكية الدولية عام 1953، ومنحتها مصر جواز سفر دبلوماسيًا في نفس العام. وفى الثالث من فبراير عام 1975 رحلث "ثومة" 1975 عن عمر يناهز الـ73 عامًا بعد صراع مع المرض، وشيعتها جماهير مصر والعالم العربي في جنازة مهيبة، تاركة إرثا فنيًا عظيمًا للفن المصري والعربي.

 

رحلات "أم كلثوم" الافروعربية

سيظل التاريخ شاهداً على انجازات أسطورة الغناء العربي أم كلثوم، فهي السيدة التي كانت بمثابة دولة وارفة الأغصان في ربوع الوطن، حيث استطاعت أن تجمع كل العرب، ولم يختلف على فنها وحبها إثنان، كما كانت عاشقة لتراب مصر، حيث طوعت الغناء ليكون قوة ناعمة استطاعت من خلاله جمع الأموال للمساعدة في إعادة تسليح الجيش بعد العدوان الثلاثى على مصر عام 1967. والباحث في تاريخ      أم كلثوم يجد مسيرتها مملوءة بدعم مصر مادياً ومعنوياً في كل الحقب التاريخية، بل ويجدها قيمة إبداعية لا تتجزأ، إذ لم تتوقف مسيرتها على الغناء فقط، بل كانت عَلماً مصرياً .. تَزور وتُزَار .. كانت بحق سفيرة الفن العربى والأفريقى، حيث قامت بجولة غنائية واسعة فى ربوع الوطن العربى شملت دولاً أفريقية مثل السودان وتونس وليبيا والمغرب لصالح المجهود الحربى ضمن جمع تبرعات للجيش المصرى، وكان لهذه الجولات التاريخية صداها الذى لا يزال عالقاً حتى الان فى الذاكرة العربية والافريقية.

 

*أم كلثوم .. فى السودان الشقيق

بعد نكسة يونيو 1967، انعقدت بالخرطوم قمة عربية فارقة، خرجت باللاءات الثلاثة الشهيرة: لاصلح، ولا تفاوض، ولااعتراف بإسرائيل، إلا بعد انسحابها من الأراضى العربية المحتلة، تنفيذاً لقرار مجلس الأمن 242. وتصالح الزعيم جمال عبدالناصر والملك فيصل عاهل السعودية، بعد طلاق بائن، فانطفأت «حرب اليمن» ولملم العرب شتاتهم، أمام العدوان الغاشم.

فى هذه الأثناء، شرعت السيدة أم كلثوم بإقامة حفلات لدعم «المجهود الحربى» بمصر وخارجها.  لم يُضِع وزير الإعلام السودانى عبدالماجد أبوحسبو - ذو الميول الوحدوية بين شعبى النيل- الفرصة، ووجه دعوة إلى «كوكب الشرق» لزيارة الخرطوم فى فبراير 1968، حيث أوكل الأمر للأستاذ الراحل "الفكي عبدالرحمن" مدير المسرح القومي في ذلك الوقت، والذي كان موجوداً في مصر في مهمة رسمية.

 قبلت السيدة "أم كلثوم" الدعوة بفرحة غامرة. وفى الطائرة المتجهة الى الخرطوم اتشحت المقاعد بصور كوكب الشرق وعند هبوط الطائرة بمطار الخرطوم كانت الجماهير السودانية المُحتشِدة ترفَع لافتات الترحيب" أهلا بمُوحِدة العرب"..وظلت تهتف " ثومة..ثومة" ولم تتمكن ثومة من مغادرة المطار الا بعد ساعة تقريباً.

حظيت "أم كلثوم" باستقبال أسطورى فى السودان، حيث أقامت حفلين بالمسرح القومى بـ «أم درمان» ارتدت خلالهما «الزى السودانى» تكريمًا لأهل السودان واعتزازاً بمواقفهم، كما زارت القصر الجمهورى للسودان والقاعة التى عُقدت فيها القمة العربية الشهيرة بالخرطوم بعد 5 يونيو 67، ثم زارت السفارة المصرية ومدرسة البنات فى الخرطوم، كما حضرت حفل الجاليات العربية فى السودان . شدت "ثومة" لأول مرة على مسرح "أم درمان" برائعتها (هذه ليلتي)، كلمات الشاعر اللبناني "جورج جرداق" وألحان الموسيقار "محمد عبد الوهاب"، كما تغنّت برائعة الشاعر المصري الراحل إبراهيم ناجي (الأطلال) ثم بقصيدة الشاعر مرسي جميل عزيز (فات الميعاد)  والقصيدتان كانتا من ألحان الموسيقار الراحل (رياض السنباطي) ، كما شاركت حفل زفاف على الطريقة السودانية وحضرت حفلاً خاصاً للفنانين السودانيين.ثم أجرى معها  حواراً تلفزيونياً الأستاذ "علي شمو" مدير التلفزيون السوداني في ذلك الوقت

التقت أم كلثوم أثناء جولتها بالعديد من الشعراء السوادنيين ومنهم "محيي الدين فارس" الذى ألقى قصيدة تُمجد فى ثومة قائلا فيها:" أنت والنيل صنوان، أنت تفيضين غناء، وهو يفيض ماء" وألتقت أيضاً مع الشاعر السودانى الشهير "الهادي آدم" الذى غنت له بعد ذلك "أغداً آلقاك".والواقع لم تغن أم كلثوم فقط فى السودان الشقيق، لكنها سيطرت على مشاعر وقلوب وعقول الأشقاء السودانيين بكلماتها قبل غنائها وعكست قيماً فنية هامة للغاية مُتجسِدة فى أن الفن يمكنه أن يصبح رأس الحربة فى تقوية العلاقات بين الشعوب، بل وربما يفوق فى بعض الأحيان الدبلوماسية والسياسة، فرحلة الحب لأم كلثوم ألقت الضوء على طبيعة الشعب السوداني السمحة الطيبة المرحبة والكريمة والمثقفة أيضا.

ظلت أم كلثوم - وحتى وفاتها- تفتخر جداً بزيارتها للخرطوم وقد اعتبرت تلك الزيارة من أجمل رحلات حياتها الفنية الناجحة والمتميزة ، مما دعاها أن تطلب من وزير الإعلام السودانى "عبد الماجد أبو حسبو" أن يهيئ لها عدة دواوين شعر لشعراء السودان، كى تختار منها أغنية تُغرّد بها تقديراً وعرفاناً لشعب السودان في مواقفه العربية الصادقة المذكورة آنفاً. وقد قامت السيّدة أم كلثوم بتسليم الموسيقار الراحل "محمد عبدالوهاب" كل دواوين الشعر السوداني التي حملتها معها من الخرطوم ليتمكن من اختيار نص منها ويقوم بتأليف لحن مناسب، لتتغنى به. وقد ظل عبد الوهاب شهوراً طويلة يُطالع الأشعار وأم كلثوم تلاحقه متسائلة هل وجد نصاً مناسباً للغناء أم لا ؟ 

وذات مساء.. حضر عبد الوهاب إلى فيلا أم كلثوم بالزمالك وكان متأبطاً آلة العود.. وخرجت السيدة لاستقباله عند بوابة المنزل.. فوجه لها سؤالاً مباغتاً قائلاً لها: أغداً ألقاك؟ وهنا فهمت أم كلثوم بإحساسها العالي أن عبد الوهاب قد وجد النص وقام بتجهيز اللحن أيضاً.. وإلا لما أحضر العود معه، فردت عليه بطريقة أكثر دبلوماسية : ولماذا ليس الآن؟

 فجاء الاختيار من ديوان الراحل المقيم وشاعر السودان المتميز "الهادي آدم" حيث كان (كوخ الأشواق) من ضمن الكتب الشعرية التي رافقت أم كلثوم في رحلة العودة من الخرطوم، فأرسلت السيدة في طلب الأستاذ الهادي الذي سافر إليها بالقاهرة لإكمال الاتفاق في شكله القانوني والأدبي النهائي.. كما جرى تعديل طفيف في مفردات بعض الأبيات. ثم لم تمر أسابيع معدودة حتى ظهرت أم كلثوم تُغرّد بتلك الرائعة في حفلها الشهري الذي اعتادت على إقامته بالمسرح القومي في القاهرة، الذي كانت تنقله إذاعة القاهرة على الهواء مباشرة ليستمع له عشاق فنها في كل العالم.. وصدحت:

أغداً ألقاك؟ يا خوف فؤادي من غدِ

يالشوقي واحتراقي .. في انتظار الموعد

كم أُناجيك .. وفي قلبي حنينُ ُ ودعاء
 
يا رجائي أنا.. كم عذّبني طول الرجاء
 
أنا .. لو لا أنتَ.. لم أحفل بمن راح وجاء 
أنا أحيا في غدي الآن .. بأحلام اللقاء
 
فأت ِ .. أو لا تأت ِ.. أو فافعل بقلبيَ ما تشاء

 

*أم كلثوم .. فى المملكة المغربية

"حديث القلب للقلب هو اللغة الوحيدة المعقولة مع هذه السيدة الرائعة .. لا يمكن المجازفة بتحليل سر هذه الروعة.. فليس مُمكناً أن نَصِف تلك الرجفة التى تسرى فى قلب كل مُتمايل على مسرح "محمد الخامس".. كل مُستمِع خلف مذياع .. كل مُعلِق العينين أمام شاشة صغيرة .. لقد كان الأمر أكبر بكثير من الكلمات .. لقد كانت هى .. أم كلثوم وكفى !! "... كان هذا جزء من تغطية صحفية عن زيارة السيدة أم كلثوم للملكة المغربية جرى نشرها بجريدة "الأنباء" المغربية ، والتى عكست حالة الترحاب والحفاوة الطاغية التى تزامنت مع وجود كوكب الشرق ام كلثوم بالمغرب فى زيارة مفعمة بالتدوق والدفء والروعة.

لقد جاءت زيارة السيدة أم كلثوم إلى المغرب فى سياق حملتها الشهيرة لصالح المجهود الحربى، وكذلك فى سياق التطبيع الثقافى بين مصر والمغرب، خاصة وأن العلاقات المصرية المغربية كان يشوبها فى ذلك الوقت بعض الفتور.. ولا يخفى على المغاربة التقدير الكبير الذى كان يكنه الملك الراحل "الحسن الثانى" للسيدة ام كلثوم وفنها الأصيل، والدليل هو التوقيت الذى اُختير للزيارة والذى تزامن مع احتفالات دولة المغرب بعيدها الوطنى الذى تصادف آنذاك مع الذكرى السابعة لجلوس الملك على العرش، حيث حرص الملك الراحل "الحسن الثانى" طيلة الزيارة على أن يتابع بنفسه تفاصيل إقامة السيدة ام كلثوم بالمغرب .

بدأت الزيارة فى 29 فبراير 1968 ، وكان من المنتظر أن تحل أم كلثوم وفرقتها ومرافقيها بمطار العاصمة "الرباط" على متن طائرة خاصة، وكان فى انتظارها لجنة استقبال فنية يترأسها المستشار الفنى للملك وهو الموسيقار "أحمد البيضاوى" يرافقه الملحنين "عبد القادر الراشدى" و "عبد الوهاب أكومى" و"عزيز السغروشنى" مدير مسرح "محمد الخامس". ومن الشخصيات الرسمية التى كانت فى استقبال ام كلثوم السيد "حسن فهمى عبد المجيد" سفير مصر بالرباط ، والسيد "المهدى زنطار" سفير المغرب بالقاهرة وبعض أفراد الجالية العربية، ولكن نظراً لعدم انتظام الرحلات الجوية آنذاك بين البلدين، وبسبب سوء أحوال الطقس، غيرت الطائرة مسارها وهبطت فى مطار "أنفا" بمدينة الدار البيضاء، حيث استقلت السيدة أم كلثوم سيارات الأجرة وصولاً إلى مقر أقامتها، بعد أن تعذر وصول لجنة الاستقبال إلى مطار الدار البيضاء بسبب سوء الطقس.

تسابق العديد من الصحفيين فى محاولة الحصول على حديث خاص مع السيدة أم كلثوم ، حيث قامت وزارة "الانباء" المغربية بتنظيم مؤتمر صحفى للسيدة أم كلثوم ـ حضره ما يقرب من 60 صحفى من وكالات أنباء محلية ودولية. كذلك أحيت السيدة أم كلثوم ثلاث حفلات عامة بمسرح "محمد الخامس"، وكانت أسعار التذاكر باهظة، إلا أن التليفزيون المحلى قام ببث الحفلات على الهواء مباشرة. وتميزت حفلات "الست" فى المغرب بأجواءها الحالمة، حيث كانت تحيطها الورود من كل صوب وتُحلِق حولها الحمامات البيضاء، حيث استقبلتها الجماهير المغربية استقبالاً أسطورياً لا مثيل له.

غنت أم كلثوم فى حفلها الاول "أمل حياتى " و "الاطلال" . وفى حفلها الثانى شدت بـ "فات الميعاد" وطالبتها الجماهير بمعاودة غناء "الأطلال" .. أما فى حفلها الثالث والأخير بالمغرب غنت "رباعيات الخيام" و"هو صحيح الهوى غلاب" بناء على طلب الجمهور المغربى.. وتروى السيدة أم كلثوم عن مدى إعجابها بالجمهور المغربى ومدى عشقه للموسيقى واللغة العربية، ووصفته بأنه شعب "فنان بطبعه" وإنه يحفظ كل الألحان والحركات الموسيقية لأغانيها عن ظهر قلب، لدرجه تُمكِنه من استدراك أى تغيير، ولو طفيف، تقوم به أم كلثوم، وأعتبرت "المغاربة" أكثر الشعوب التى زارتها تفاعلاً بالموسيقى، نظراً لاستحواذها على مساحة كبيرة من تفصيلاته الحياتية.. حتى فى مأدِب الغذاء والعشاء التى كانت تحضرها، لابد  أن يرافق الطعام غناء للتواشيح الاندلسية القديمة والابتهالات الدينية الروحانية.

كذلك أبدت أم كلثوم إعجابها بالمرأة المغربية وثقافتها الرفيعة التى يرافقها الحفاظ الشديد على العادرات والتقاليد، ودليلاً على انبهارها بالنموذج الأنثوى المغربى، أصرت أم كلثوم على تقديم حفلها الأول مُرتَدية القفطان المغربى، الذى ارتأته نموذجاً للأناقة والاحتشام على حد سواء واعتبرتها رسالة امتنان وإعجاب بالمراة المغربية.. كذلك من الأشياء التى أعجبت أم كلثوم "زفة العروس" فى المغرب وطقوسها المليئة بالروحانية ، فهى تختلف كثيراً عن "الزفة" فى مصر، إذ يغلب عليها الغناء المستمد من الابتهالات الدينية والتباريك المقدسة.

قامت السيدة أم كلثوم بعدة جولات فى بلاد المغرب ، كان أولها إلى مدينة "مكناس" بناء على دعوة من الأميرة "آمنة" شقيقة الملك "محمد الخامس" ، حيث انبهرت كوكب الشرق بروعة الفن المعمارى الاندلسى فى القصر الملكى القديم . ثم رتب لها وزير السياحة المغربية جولة فى مدينة "فاس" التى حظيت فيها بحفاوة استقبال بالغة ، فالجميع كان ينتظرها بالطرقات قبيل دخول المدينة بحوالى 20 كيلومترا.. كذلك جرى تنظيم مجموعة من اللقاءات للسيدة أم كلثوم مع المعجبات والجماهير المغربية فى منزل حرم وزير "الأنباء" المغربى، والتى حضرها عدد كبير من سيدات الوزراء وسيدات المجتمع، كما زارت أم كلثوم مدينة "مراكش" بدعوة شخصية من الملك "الحسن الثانى"، وجرى تنظيم حفل لها بمشاركة 1500 عازف وراقص من فرق الفنون الشعبية المغربية من المناطق الجبلية .

والوقع أن لثومة مكانة خاصة فى المغرب تحديداً ، فحين تدخل مقاهي المغرب، أو تستقل إحدى الحافلات وسيارات الأجرة، سينتابك شعور قوى بأن أم كلثوم ليست مصرية فحسب، إنما هى مغربية أيضا. فهذا الشيء بديهي عند أشقاءنا المغاربة، فلا أحد ينسبها إلى موطنها، هى أم كلثوم فحسب، قامة فنية تعلو فوق المكان والزمان، فإذا تجولت  بين الدروب القديمة سيصل إلى مسامعك صوت "الست" منساباً من نافذة العشق الحقيقى بصرف النظر عن المكان الذى تطئه قدماك.

 

 

 *أم كلثوم .. فى تونس الخضراء

"شعوري وأنا أزور تونس هو شعور المحبّ الذي وجد حبيبه بعد طول غياب. لقد غمرتموني بالحبّ وبالزهور. أنا لا أجد فرقاً بين وطني مصر، ووطني تونس الخضراء، سعيدة أنا بكل هذه الأجواء، سعيدة باللقاء الشعبي العظيم، وسأسعد أكثر عندما سأقف مغنية للجماهير التونسية"... بهذه الكلمات الدافئة عبرت السيدة أم كلثوم عن سعادتها بحفاوة استقبال الشعب التونسى لها، عندما زارت "تونس الخضراء"  ضمن جولة عربية لمساندة المجهود الحربي في مصر بعد نكسة الـ 1967.

والواقع إن من يزور العاصمة التونسية، لا بد أن يقف عند شارع أم كلثوم الموازي لشارع الحبيب بورقيبة والمتقاطع مع شارع قرطاج، والذي لا تفصله إلاّ مسافة قصيرة عن شارع جمال عبدالناصر. ففي تونس، تحظى أم كلثوم بحب وإعجاب عامة الشعب، ويترسّخ صوتها وإبداعها في الوجدان التونسي.كذلك كان التونسيون في تلك المرحلة يتّجهون بقلوبهم وعقولهم إلى الأمل القومي المنبعث من مصر الناصرية، فعلى رغم الخلاف السياسي بين الزعيمين الحبيب بورقيبة وجمال عبد الناصر، وعلى رغم تأثيرات نكسة يونيو 1967 الناتجة عن العدوان الصهيوني على الجمهورية العربية المتحدة، لم ينقطع حبل التواصل الثقافي والحضاري بين مصر وتونس، ولم ترتدّ روح الانتماء القومي ولا الإيمان بوحدة الجذور والهدف والمصير، خصوصاً وأن الأصوات المصرية، وفي مقدمتها أم كلثوم ومحمد عبدالوهاب وعبدالحليم حافظ كانت فاعلة في إثراء الوعي الجمعي، متوهّجة بعبقرية الإصرار على الحياة والتواصل والانتصار لأحلام وطموحات الأمة العربية من المحيط إلى الخليج.

بدأت الأجواء الحميمة للزيارة منذ اللحظات الاولى عندما وطئت أقدام ثومة أرض "مطار قرطاج" . ومن الروايات المثيرة أنه تزامن مع وصول أم كلثوم هطول الأمطار التى كانت قد احتجبت طيلة أربعة أعوام عن تونس، فاعتبرها الجمهور التونسى بشارة كبيرة أقترنت بزيارة ثومة إلى أراضيهم .وعندما هبطت ثومة من سلم الطائرة حاوطها الجميع بالشمسيات لحمايتها من الأمطار، حيث تعدى الجمهور التونسى الحواجز التى كانت موجودة بالمطار احتفاءاً بالسيدة أم كلثوم ورغبة فى رؤيتها عن قرب وتقديم التحايا لها.

يقال أن السيدة "وسيلة بورقيبة" هى التى حرصت على دعوة السيدة ام كلثوم الى تونس رغبة منها فى عودة المياة إلى مجاريها بين "مصر وتونس" فى ذلك الوقت، خاصة عقب خطاب "حبيب بورقيبة" الشهير فى "أريحة" بعد تقسيم الاراضى الفلسطينية .. وقد أشرفت السيدة "وسيلة" على هذه الزيارة بنفسها سواء بطريقة معلنة أو مستترة. كذلك منح الزعيم "الحبيب بورقيبة" السيدة أم كلثوم وسام الجمهورية وتم في ذات الوقت إطلاق اسمها على أحد شوارع العاصمة والمسجد الذي حمل اسمها تكريمًا وتقديراً لعطاء فني خالد ثري ومتنوع.

لم يحدث أن تفاعلت الجماهير التونسية مع حدث كبير مثلما تفاعلت مع زيارة أم كلثوم، وهو ما يعني المكانة التي كانت تحظى بها المطربة الكبيرة لدى الشعب التونسي من خلال فنها ودورها الثقافي وتعبيرها عن خصوصيات المرحلة. وفي يوم 31 مايو  1968 أحيت أم كلثوم حفلها الأول بتونس وكأنها أرادت القول إن الانكسار لن يهزّ إيمان الأمة بحتمية الانتصار، وقد أراد الرئيس التونسي السابق الحبيب بورقيبة وعقيلته تأكيد هذه القناعة بحضورهما الحفل الذي احتضنه قصر الرياضة بالمنزه أو صالة (القبة) كما يطلق عليها.

في تلك الليلة، أحيط المسرح بمئة ألف وردة، وفي الساعة التاسعة رُفع السّتار ليجد خمسة اَلاف متفرج أنفسهم أمام كوكب الشرق وفرقتها الموسيقية بقيادة الفنان عبده صالح. يُقال أن سيدة الغناء العربي قامت في الكواليس بأداء الصلاة ثم تناولت كوباً من اليانسون الساخن وقرأت سورة الفاتحة قبل بدء السهرة التي أدت فيها أغنيتين هما (فكروني) كلمات أحمد شفيق كامل وألحان محمد عبدالوهاب. ثم أغنية (الأطلال) من شعر الدكتور إبراهيم ناجي وألحان الموسيقار رياض السنباطي.

والواقع أن زيارة السيدة أم كلثوم الى تونس كانت زيارة خالدة حظيت فيها بالتكريم والتبجيل سواء على المستوى الرسمى أو الشعبى، فقد أحيت عدداً من أروع وأفخم حفلاتها على الاطلاق. كذلك قامت خلال زيارتها بالعديد من الانشطة والجولات داخل الجمهورية وقالت أن زيارتها الى تونس إنما هى زيارة إلى "بيت العرب .. كل العرب"، ويحسب لأم كلثوم أنها كانت وراء تطبيع العلاقات الدبلوماسية بين تونس ومصر، فهي في نظر التونسيين، رئيساً وحكومة وشعباً، كانت تمثل الزعامة الفنية والصوت الحامل لرسالة بلد وأمة وقضية.

تراوحت أسعار تذاكر حفلتي أم كلثوم في تونس بين 20 و 50 ديناراً، ووصلت إلى مئة دينار في السوق السوداء، وقد تجسد انجذاب الجمهور التونسي وانبهاره بأم كلثوم في الاستقبال الشعبي الذي حظيت به منذ نزولها بالمطار وإلى حين مغادرتها البلاد، وفي الحفاوة التي لقيتها في الشارع وعبر وسائل الإعلام، وعندما لاحظ الرئيس بورقيبة ذلك وجّه بتعليماته إلى مدير الإذاعة والتلفزيون اَنذاك "محمد مزالي" لبث الحفلين مباشرة عبر أمواج الأثير وعلى شاشة التلفزيون المحلي.

وفي يوم غرّة يونيو 1968، قامت أم كلثوم بأداء صلاة الجمعة بجامع "الزيتونة" المعمور بإمامة الشيخ "مصطفى محسن"، ثم قامت بجولة في أسواق المدينة العتيقة حيث استقبلها الجمهور والمتسّوقون استقبالاً حافلاً، وقدّموا لها بعض الهدايا الممثلة في ألوان من الصناعات اليدوية والتقليدية المحلية، كما قامت أم كلثوم بزيارة الشركة التونسية للتوزيع في ضاحية "رادس" المختصة في طبع الاسطوانات وإنتاج الأعمال الموسيقية والغنائية.

في يوم 2 يونيو 1968 قامت أم كلثوم بإزاحة الستار عن اللوحة البيانية للشارع الحامل اسمها في قلب العاصمة التونسية، بحضور عدد من المسؤولين يتقدمهم "حسيب بن عمار" شيخ المدينة آنذاك.وقد عبّرت كوكب الشرق عن سعادتها بهذه البادرة وعن شكرها الجزيل لتونس قائلة: (لا غرابة في هذا... فتونس الخضراء ستبقى ذات ريادة وأسبقية في تكريم الفن والفنانين وفي احتضان الإبداع والمبدعين)، كانت زيارة أم كلثوم إلى تونس قد وافقت الاحتفال بالذكرى الثالثة والعشرين لعيد النصر، والذي كانت تحييه تونس في ظل العهد السابق، كل أول يونيو تبجيلاً واستذكاراً باليوم الذي عاد فيه الزعيم الحبيب بورقيبة من منفاه الفرنسي، وهو الحدث الذي مثل الخطوة الأهم والأبرز في اتجاه الإعلان عند استقلال البلاد.

وفي برقية عاجلة لوكالة تونس إفريقيا للأنباء الرسمية، صدرت يوم الخميس 30 يونيو جاء ما يلي: (ليس حب الجمهور الكبير في تونس لفن أم كلثوم وليد اليوم، حيث إننا وإن كنّا نشاهد اليوم معظم التونسيين من فنانين وأدباء ورجال فكر وجماهير شعبية، يتابع بلهفة دائمة أغانيها الجديدة، فإن هذا لا يمنع من أن فن أم كلثوم القديم من أغانٍ وأدوار ومواويل كان ولا يزال له محبوه الشغوفون بسماعه في بلادنا، ذلك أن كل ما تغنت به هذه المطربة العبقرية خلال هذه الحقبة الطويلة من الزمن هو من خيرة ماجاءت به قرائح أساتذة الفن العربي في المشرق).

وبمناسبة المولد النبوي الشريف حضرت أم كلثوم حفلاً دينياً بجامع الزيتونة المعمور، وفي 7 يونيو 1968 أقام الاتحاد الوطني النسائي التونسي مأدبة غداء على شرف ضيفة البلاد المبجلة بـ "دار حسين" بالعاصمة، قدمت خلاله الفرق الموسيقية للإذاعة التونسية وصلات غنائية، كما ألقيت بعض القصائد الترحيبية بسيدة الغناء العربي .أما اَخر اللقاءات الرسمية مع أم كلثوم فقد نظمها الأستاذ "الشاذلي القليبي" كاتب الدولة للشؤون الثقافية والأخبار، وقد حضرت الحفل السيدة "وسيلة بورقيبة" وعدد من كبار الشخصيات ورجال الثقافة والإعلام ونجوم المجتمع.

تخللت المأدبة لوحات من الشعر والفنون الشعبية والموسيقى التونسية أدتها بعض الفرق لتحية مطربة العرب الأولى، وقد اشترك في السهرة الشاعران "أحمد اللغماني" و"نور الدين صمود" بأربع قصائد، وتجاوبت أم كلثوم مع بعض القصائد المختارة التي ألقيت على مسمعها، وخاصة (صلوات في هيكل الحب) لأبي القاسم الشابي و(عرائس الموج) لمصطفى خريف. وفي خاتمة السهرة أهدى الرسام "محمود السهيلي" إحدى لوحاته للضيفة الكبيرة.وكانت كوكب الشرق قد أدت زيارة إلى مدينة "نابل"، اطلعت خلالها على الصناعات التقليدية المحلية وعلى زي العروس ومميزاته.

من ينظر اليوم في رصيد الحفلات المسجلة لكوكب الشرق يكتشف أن تألقها في تونس كان استثنائياً بسبب التفاعل الجماهيري غير العادي، وبسبب المناخ السّاحر الذي ميّز مدارج قصر الرياضة بالمنزه، وبسبب حالة الحب العميق التي جمعت أم كلثوم بالتونسيين، حتى إنها صرحت في حوار تلفزيوني أجراه معها الإعلامي الراحل "خالد التلاتلي" أن الجمهور التونسي رائع وذوّاق ويتمتع بحاسة استماع متفوّقة، وأنها وإن كانت قد سمعت شهادات كثيرة في ذلك، فإن الحقيقة تجلت خلال زيارتها إلى تونس لتكون أبلغ من النقل والحديث... وإلى اليوم مازال شارع أم كلثوم يتوسط العاصمة "تونس" بالتوازي مع شارع ا"لحبيب بورقيبة"، ومازالت الإذاعة التونسية تخصص سهرة كل خميس لصوت كوكب الشرق، ومازالت تسجيلات (الأطلال) و(فكروني) و(أنت عمري) في تونس تحقق أعلى الإيرادات، ومازالت أم كلثوم عنوان أصالة وعظمة وعبقرية النغم الشرقي الأصيل.

 

*أم كلثوم .. فى الجمهورية الليبية 

في الثالثة بعد ظهر يوم 10 مارس 1969 كانت بداية الرحلة من مطار القاهرة إلى ليبيا، حيث رفضت أم كلثوم أن تستقل طائرة خاصة أعدت لها وفضلت أن تسافر في طائرة عادية مليئة بالركاب، ودخلت أم كلثوم كعادتها في الدقائق الأخيرة وجلست في المقعد الأول كما تعودت وجلس بجانبها إبن شقيقتها المهندس محمد الدسوقي.

هبطت الطائرة في مطار بنغازي وهو مطار صغير وأنيق ولاقت أم كلثوم استقبال ودي محدود وحار، وفي استراحة المطار التف حولها الجمهور والصحفيون يرحبون بها ويتحدثون معها، وبعد فترة استقلت طائرة أخرى من بنغازي إلى طرابلس، ووصلت هناك في المساء، حيث وجدت كبار المستقبلين يرحبون بها وعلى رأسهم السيد عبد الله عابد السنوسي الذي وجه الدعوة لأم كلثوم لزيارة ليبيا.

 كان في استقبالها أيضاً العديد من الصحفيين والمواطنين المحبين لفنها، وكانت طرابلس قد أعدت استقبالاً آخر لأم كلثوم بعيداً عن المطار، فهو يبعد عن المدينة 30 كيلو متراً مما حال على الكثير من المواطنين الحضور إلى المطار، وكان الاستقبال الحقيقي لها في معرض طرابلس الدولي في اليوم التالي لوصولها، حيث تجمعت جماهير الشعب الليبي حولها مصفقين ومرحبين، ولم تستطع سيارتها السير بسبب الحشود التي اجتمعت للترحيب بها، واتجهت أم كلثوم بعد زيارة المعرض إلى فندق "الودان" الذي تقيم به.

أحيت أم كلثوم حفلها الأول في طرابلس في ليلة الأربعاء 12 مارس 1969 ، وقد تجمعت الجماهير التي بلغت قرابة سبعة آلاف مواطن من كل أنحاء ليبيا، وحرصت الإذاعة على بث الحفل وأيضاً التليفزيون الليبي، وحضر الحفل رئيس الوزراء والوزراء والعديد من كبار الشخصيات وعدد كبير من نساء ليبيا في ملابس عصرية أنيقة.

احتفلت أيضاً الجمعيات النسائية الليبية بأم كلثوم، حيث احتفلت بها إحدى زعيمات هذه الجمعيات، وهى "عزيزة الشيبانى، كما ظهرت أم كلثوم فى حفل الجمعية النسائية بالعباءة الليبية. فعلى الرغم من الطبيعة المتحفظة للمرأة الليبية ، إلا أنها حرصت على حضور حفل "الست". حتى سيدات ليبيا من محافظات الجنوب جئن للاستمتاع إليها والالتقاء بها.

زارت أم كلثوم "كلية الهندسة" فى طرابلس ، كما أقامت سفارات العرب فى ليبيا حفلات حفاوة بالسيدة أم كلثوم. ثم وصلت أم كلثوم ألى "بنى غازى". وقد تزامن فى هذا الوقت وجود الموسيقار محمد عبد الوهاب وزوجته فى ليبيا .. وفى النادى المصرى ببنى غازى كانت الحفاوة بالغة بالست، فيما ظهر "محمد عبد الوهاب" بـ "اللبدة الصعيدى" والسيدة م كلثوم بـ "غطاء للرأس" والحفاوة كانت حارة من جانب المصريين المقيمين فى ليبيا.

قام أعضاء مكتب منظمة فتح في ليبيا بتنظيم الحفل والإشراف عليه واستقبال الجماهير، فرحلة أم كلثوم كانت من أجل فتح والفدائيين الذين يبذلون الدم ثمناً لتحرير بلادهم، وشدت أم كلثوم في تلك الليلة بأغنيتين وهما "هذه ليلتي" ثم "الأطلال" في خيمة أقامتها حركة فتح، التي أشرفت على تنظيم الحفل فى طرابلس. وظهر من خلفها شعار منظمة العاصفة. وحملت تذاكر الحفل عبارة "لدعم المجهود الحربي وحركة فتح, كان هذا الانتقال من العمل السياسي المتخفي في شكل حفلات لأغانٍ عاطفية تنظمها أم كلثوم بنفسها بوصفها مؤسسة مستقلة لعمل سياسي مُعلن تحت راية منظمة فلسطينية، بمثابة انتقالًا لافتاً هيّأ لظهور أغانيها السياسية التى تلت ذلك الحفل.

      ربما كانت القشعريرة التى تدب بأوصالنا إذا ما طالعنا الزخم المعنوى الذى حظيت به كوكب الشرق أم كلثوم خلال مسيرتها الفنية الثرية أوعلى جناحى ذكراها الجميلة، أمراً يدل على الفخر والانتشاء بهذه القامة الفنية المصرية الأفريقية ذات الوهج الذى لا ينطفىء، فقد أسست كوكب الشرق مدرسة غنائية قائمة بذاتها، مدرسة عربية أصيلة، شامخة في سماء الابداع العربي..فهي صوت الحب والعاطفة الجيّاشة.. وهي أيضا صوت العروبة والثورة وحرية الانسان.. رصيدها من الأغاني والقصائد جعلها أيقونة الأغنية العربية بكل خصائصها الأصيلة الضاربة بجذورها في أعماق الحضارة الانسانية الابداعية ، فهى بحق خير سفيرة للفن العربى الافريقى الأصيل.