المغنية الغينية " سيا تولنو"
10 فبراير, 2019
المغنية الغينية " سيا تولنو"

هى مغنية إفريقية شابة، ثورية بطبعها، عانت ويلات الحروب الأهلية فى وطنها، وارتحلت عنه لبلد أخر، دخلت مجال الفن والغناء من منطلق موهبة طبيعية وصوت شجى أهلها لتكون صوت بلادها "غينيا" فى ساحات الفن الدولية. 

 وكمثل باقى الفنانين الأفارقة مزجت " سيا تولنو" ما بين الفن والسياسة، لتعبر بصوتها عن آمال وطموحات وأحلام جيلها ملتزمة فى غالب أغانيها بتناول موضوعات  الوحدة بين الأفارقة والفقر     وظروف معيشة المرأة الإفريقية، مؤكدة فى أكثر من موضع أنها لا تغني من أجل الغناء فقط، بل لأجل تقديم رسالة تساعد بها قارتها الإفريقية المنهكة من الحروب و الفقر. 

ولدت "تولنو" فى إحدى ضواحى بلدة "كيسى" الواقعة جنوب غينيا، وبالتحديد فى المنطقة الحدودية بين سيراليون وليبيريا عام 1975، وعاشت فى كنف أسرتها  حيث كان والدها  يعمل أستاذاً للغة الفرنسية بإحدى مدارس سيراليون والذى كان يحلم  بتعليم أولاده وتنشئتهم فى أجواء سعيدة ومستقرة تجمع مابين القراءة والتعليم والاستماع للموسيقى، ولفترة من الوقت عاش وأبناءه فترة طفولتهم الأولى بشكل مستقر، ولكن مع تبدل الأحوال السياسية واندلاع الحرب الأهلية دُفع دفعا نحو  الهروب بأسرته وأولاده إلى بلده غينيا مرة أخرى هرباً من جحيم وأهوال الصراعات ومأسى الحرب الأهلية. 

 وهى التجربة التى لم تنسها فنانتنا ولم تستطع محو أثارها حتى الآن حتى أنها لا تكاد تترك حديثا وإلا تكرر القول" ولدت و كبرت ولا زلت أعاني آثار الحروب"، وقد عاشت تولنو هذه العودة  وكما تقول كأنها منفى خاصة وأنها اعتادت العيش وسط أصدقاء وبيئة ولغة مختلفة عن بلدها الأم،  واستمر هذا الحال طوال فترة مراهقتها متنقلة مابين بلدها الأصلى غينيا وسيراليون وليبيريا وبالتحديد خلال الفترة من 1991 حتى 2002 . 

ومن المواقف التى لا تنساها تولون  وهى فى الرابعة عشرة من عمرها وتؤكد موهبتها، قيامها بالغناء بين زميلاتها، حين سمعتها مدرستها، فاختارتها على الفور لغناء نشيد بلادها فى احتفال قومى يحضره عدداً من المسئولين الحكوميين، ولحظتها ارتجفت وكادت تموت خوفاً  إلا أنها ما بدأت فى الغناء حتى نالت تصفيقاً مدوياً وتشجيعاً جعلها تحلم بأن تكون مغنية وفنانة، وهو ما كان بفضل موهبتها . 

 عقب عودتها النهائية لبلادها كانت مضطرة للبحث عن عمل لكسب قوتها اليومى، فبدأت فى بيع زيت النخيل ثم العمل فى مجال تجفيف وتمليح الأسماك، ثم لم تجد سبيلاً سوى استخدام "موهبتها" وصوتها القوى ليكون معينها فى الحياة  فقد كانت الموسيقى حياتها والعكس بالعكس ، فبدأت العمل مغنية محلية فى المطاعم والملاهى والحانات ، مقلدة أغنيات الكبار من فنانات العالم وبخاصة ويتني هيوستن، اديث بياف .

وبقدوم عام 1994 بدأت "تولنو"  الغناء بشكل احترافي، بعدما كونت فريقاً مع عدداً من أصدقائها كونه اللبنانى مصطفى والذى ساعدها فى شق طريق حياتها الفنية،  وبطبيعة الحال لم تكن بداية "تولنو" قوية،  واجتهدت فى اختيار خط ولون موسيقى  ليكون معبراً عنها، فغنت تارة بموسيقى البلوز الإفريقية وموسيقى الجاز و الماندينكا، ولكن لأنها تعشق التجديد وحب المنافسة برعت فيما لم تبرع فيه باقى النساء حيث بدأت  بغناء لون موسيقى كان قاصراً فقط على الرجال وهى موسيقى "الأفروبيت" القوية وهى خليط من الموسيقى الأفريقية والموسيقى الأوروبية وموسيقى  الجاز و الفنك، تستلزم الحركة طوال الوقت،  وهى الموسيقى التى برعت فيها بشكل قوى متفوقة على اقرانها حتى من الرجال،  حتى أن العديد من الموسيقيين ارتأوها ولدت من اجل الغناء بهذا اللون الموسيقى.

 

وأثناء رحلتها الفنية أصدرت "تولنو" ألبومها الأول الذى كان بعنوان "صوت الغابة" عام 2002، وانصبت اغلب أغنياته على موضوعات  قضايا المرأة الأفريقية، إلا أنه لم يحظ بالجماهيرية المطلوبة  أو شد الانتباه بقوة من جانب الجماهير،  ولم تستطع تحقيق شعبية واسعة  ومعرفة إلا بعد اشتراكها عام 2008 فى برنامج المسابقات الموسيقى "ستار أكاديمى" فى ليبرفيل بالجابون، والذى استطاعت من خلاله الحصول على المركز الرابع، والنفاذ منه فى طرح اسمها بقوة كفنانة ومغنية وسياسية مهتمة بقضايا جيلها، ذات رؤية واضحة وجاذبية  لافتة، ومن قبلها موهبة فنية وصوت قادر على جذب الجماهير. 

وبقدوم عام 2009 أطلقت "تولنو" ألبومها الثانى والذى كان بعنوان" سانجا"  وغنت فيه بأسلوب الماندينكا الذي يجمع ما بين استخدام اللهجات المحلية والانجليزية، وبطبيعة الحال استغلت ألبومها فى التعبير عن غضبها ووسيلة من أجل الدفاع عن بنات جنسها والحصول لهن على حقوقهن الضائعة، كما استمرت فى التنقل والترحال مابين غنيا وسيراليون وليبريا.  

ثم واصلت فنانتنا مسيرتها الناجحة، وتقديم إضافة لموسيقاها "الافروبيت" الذى ناطحت فيه الرجال، حتى تم اختيارها من جانب إذاعة فرنسا الدولية عام 2011 لنيل جائزة الاكتشاف الموسيقية، عن إلبومها "حياتى، وفى نفس العام أطلقت ألبوماً جديداً بعنوان"أوجدو واشتا"  أو "المرأة الإفريقية" الذي جمعت فيه للمرة الأولى ما بين استخدام الآلات الموسيقية الحديثة "وطبول اللون الموسيقي الإفريقي الخاص بها واستخدمت فيه  لغات الكيسي والميندي المحلية، وتمحورت موضوعاته  حول قضايا تعليم المرأه الأفريقية، والتعبير عن  قضاياها المختلفة. 

ومؤخراً احتفلت مغنيتنا بعيد ميلادها الأربعين، و أصدرت ألبومها الرابع، ولا تزال تصدح بأغنياتها  التى سخرتها من أجل قضايا أمنت ولا تزال تؤمن بها، قضايا وطن  وسياسات قهر تعرضت لها وأثرت فى تجربتها الحياتية والفنية، وهو ما عبرت عنه فى أحد أحاديثها الفنية حينما قالت "فقدت الكثير من الأشخاص بحياتى بسبب الحروب، فقدنا الأصدقاء والبيت.. ملأوا نفوسنا برعب الحروب و أنسونا ما هو مهم و بالتالي ،فقدت جزء مهما من ماضي : "أنا شخص ليس لديه ماض"، و لو كان الحاضر والمستقبل أكثر ما يهمنى ، مضيفة "أنا امرأة حزينة لم يبق لدي أحد لأبوح إليه بهمومى، لكن وحدها الموسيقى عوضت كل هؤلاء"، "أنا لا أمتع الجمهور عندما أكون فوق المنصة، بل أمتع نفسي، واستمد طاقتى من موهبتى الفنية". 

ولليوم لا تزال "تولنو" تمثل شعلة الغناء فى غينيا، وفنانة ذات رسالة تؤكد أن محراب الفن ليس للترفيه فقط وإنما معبراً عن قضايا المرأة والقارة الإفريقية السمراء، لخصته فى مقولة واحدة"“أناضل من أجل حق النساء و الأطفال في العيش في إفريقيا جديدة”.

 

إعداد : محمد أنور