أزمات الرأسمالية العالمية واثرها على التنمية فى افريقيا
14 يناير, 2019
أزمات الرأسمالية العالمية واثرها على التنمية فى افريقيا

الكتاب الحائز على جائزة حلمى شعراوي للدراسات الافريقية عام 2014

المؤلف : الدكتورة / غادة انيس البياع -  مدرس الاقتصاد بالمعهد العالي للدراسات والبحوث الافريقية، جامعة القاهرة

الناشر : مكتبة جزيرة الورد ، سنة النشر 2014

تصدير: الدكتور سمير امين رئيس مركز الدراسات العربية والافريقية

     فى ضوء ما اتسم به النظام الرأسمالى العالمى منذ بداية تطوره وفى ظل التقلبات الاقتصادية المتكررة، والتى تسببت فى تعدد الأزمات المالية العالمية وما صاحبها من تدهور فى مستوى معيشة الشعوب، وتهديد الاستقرار الامنى والسياسى والاقتصادي للمجتمعات التى شهدت تلك الأزمات، خرج هذا المؤلف ليرصد ويحلل بالتفصيل مايلى :

  • - تطورات أزمات الرأسمالية المعاصرة من منتصف التسعينيات الى ازمة عام 2008 .
  • - مراجعة لما قدمته مختلف مدارس علم الاقتصاد وذلك فى اطار العولمة مع التركيز على الآليات التى تسببت فى نقل تداعيات الأزمة الى الدول الافريقية .
  • - اجراء التقويمات اللازمة بهدف التوصل الى مدى فاعلية ردود الافعال من قبل السلطات المحلية.
  • - تحليل تأثير الصدمات الاقتصادية العالمية المتكررة على الاقتصادات الأفريقية بالتطبيق على الأزمة المالية العالمية 2008، حيث كانت هذه الأزمة بمثابة صدمة اقتصادية خارجية أثرت على الدول النامية بشكل عام، والدول الافريقية بشكل خاص، وذلك من منطلق ان اطراد تدويل الحياه الاقتصادية، وعالمية الأدوات المالية كان لهما أثارا مباشرة فى انتشار مثل هذه الأزمات وانتقالها من مجتمع لآخر لتشكل ما يطلق علية "الصدمات الاقتصادية الخارجية للدول التى تنتقل اليها آثار تلك الصدمات.
  • كما يمكن رصد اهم النقاط التى قام عليها هذا الاصدار على النحو التالى:
  • - تتمثل الإشكالية التى صدر على اساسها هذا المؤلف فى أن دول القارة الأفريقية قد اندمجت فى منظومة الاقتصاد العالمى منذ لجوئها لإعادة جدوله ديونها، حيث تزايد هذا الاندماج عبر الزمن من خلال تطبيق برامج التثبيت والاستقرار وبرامج التكيف الهيكلي، كما ترسخ هذا الاندماج بدخول أغلب دول القاره منظمة التجارة العالمية وتطبيقها لمقررات جولة أرجواي،  ولما كان النظام الرأسمالي وفقاً لنظريات دورات الدخل عرضه لحدوث الأزمات الاقتصادية فان القاره الأفريقية بدورها قد تأثرت بمثل هذه الأزمات بشكل كبير.
  • - يستهدف هذا الاصدار اختبار فرضا اساسيا يؤكد على أن اندماج الدول الأفريقية فى منظومة الاقتصاد العالمى قد جاء فى وقت مبكر لم تصل فيه اقتصادات هذه الدول لإمكانيات المنافسة العالمية وبالتالي فهى بحاجة الي إجراءات غير تقليدية تستكمل من خلالها تحقيق الشروط الموضوعية التى تمكنها من الدخول للسوق العالمى بقدرة تنافسية تحقق التكافؤ فى ممارسة هذه المنافسة.
  • - تنبع أهمية هذا المؤلف من خلال طرح بعض المعالجات للتخفيف من اشكالية تزايد احتمالات تعرض الاقتصادات الأفريقية للصدمات الاقتصادية الخارجية الناجمة عن الأزمات المتكررة التى يشهدها النظام الرأسمالى العالمى كنتيجة طبيعية مع زيادة اندماج الاقتصاد الأفريقي فى منظومة العولمة، من خلال دراسة هذه الصدمات واسباب حدوثها وآلية تأثيرها على الاقتصادات الافريقية فى ظل الازمة الحالية وما خلفته من آثار على الاقتصاد الأفريقي.
  • - كما يطرح هذا الاصدار تساؤلا رئيسيا مفاده : هل تستطيع الدول الأفريقية مع اندماجها الشديد فى منظومة الاقتصاد العالمى أن تتجنب كثيرا من الآثار السلبية لهذه الأزمات او حتى على الأقل التخفيف من حدتها؟

وللإجابة على هذا التساؤل استخدمت الدراسة منهج الاقتصاد السياسي الدولى وهو منهج يتعامل مع الظواهر الاقتصادية من خلال ارتباطها بظواهر اجتماعية وسياسية أخرى، بالإضافة للتعامل مع قضايا النمو والنتائج المترتبة على العولمة من منظور التطور التاريخى، كما استخدمت الدراسة بعض الأدوات الاستقرائية والاستدلالية للخروج منها باستنتاجات وتقديرات.

تم تقسيم الدراسة إلى أربعة فصول ومقدمة وخاتمة ونعرض لاهم تضمنته على النحو التالى :

الفصل الاول : النظام الرأسمالي والازمات الاقتصادية

يعرض هذا الفصل الى ماهية الأزمات الاقتصادية التى يتعرض لها النظام الرأسمالى العالمى من خلال عرض الإطار النظرى والتاريخى للأزمات الاقتصادية العالمية فى عقد التسعينات ( المكسيكية والآسيوية والروسية ) ، فضلا عن تحليل تداعياتها على الأداء الاقتصادي فى أفريقيا ، بالإضافة الى التطرق للسياسات الاقتصادية الافريقية عبر الازمات لتضع الكاتبة نصب أعين القارىء ان هناك فشلا واضحا فى الدور والادوات التى استخدمتها المؤسسات الدولية والتمويلية فى معالجة تلك الازمات أو التخفيف منها .

الفصل الثاني : الازمات المالية العالمية : الازمة – الاسباب - التداعيات

ركز هذا الجزء على طبيعة الأزمة المالية العالمية التى اندلعت فى عام 2008 واسبابها وتداعياتها ، حيث قياس درجة تأثر اقتصادات الدول الأفريقية بالانفتاح الاقتصادي لدولها على الاقتصادات العالمية من خلال استخدام النموذج الذى استخدمه سبيجل فى عام 2008، ومن ثم يعرض هذا الفصل لتداعيات الأزمة على المؤشرات الاقتصادية فى دول القارة الأفريقية كمعدلات النمو ووضع موازين المدفوعات ، والموازين التجارية واسعار الصرف وتراكم الاحتياطات الأجنبية، وكذلك الأثر على الموازنات العامة للدول الأفريقية بالإضافة الى تحليل الآثار الاجتماعية والسياسية للأزمة العالمية على دول القاره الأفريقية.

الفصل الثالث :جهود مواجهة الازمة وتقييم فاعليتها

عنى هذا الجزء بمناقشة المجهودات والتدابير التى اتخذت فى مواجهة الأزمة المالية والاقتصادية العالمية على كافة المستوىات :( الدولية والإقليمية والقومية) مع تقييم فاعلية هذه المجهودات فى إدارة الاقتصاد العالمى ، والحد من آثار هذه الأزمة من خلال تحليل الدور الذى لعبته مؤسسات التمويل الدولية فى ادارة الاقتصاد العالمى وتقييم تدابير مواجهة المجتمع الدولى للازمة العالمية ، فضلا عن الجهود الافريقية القومية.

الفصل الرابع : الدروس المستفادة من الأزمة والرؤية المستقبلية

ويشير العنوان هنا الى ان "البياع" اتخذت من هذا الجزء محاوله للإجابة على التساؤلات الرئيسية التالية :

  1. ماهو النموذج الاقتصادى الملائم للتطبيق فى دول القاره الأفريقية؟
  2. ماهى السياسات الاقتصادية المقترحة التى تمكن الدول الأفريقية من تفادى الصدمات الاقتصادية ؟
  3. كيف يمكن تقليل الاثار السلبية المحتملة على اقتصاديات تلك الدول ؟

وهنا يتم طرح مجموعة من السياسات الافريقية المقترحة كبديل يمكن لدول القاره الأفريقية اتباعه فى طريقها لمواجهة أزمات النظام الرأسمالى العالمى ومحاولتها بناء اقتصادات قويه معتمده على الذات وقادره على المنافسة وذلك من خلال تحليل عدد من النماذج الاقتصادية والتجارب التنموية التى طبقت فى الدول الناميه بشكل عام والدول الأفريقية بشكل خاص فى اطار استراتيجيات بديلة للنمو فى افريقيا .

ومن ثم فقد توصلت الدراسة الي مجموعة من النتائج لعل أهمها:

  1. مر النظام الراسمالى بموجات متكررة من الأزمات الاقتصادية منذ نشأته وحتى الان، مما دفع العديد من الاقتصاديين الي اعتبار هذه الأزمات الدورية جزء من أزمة أوسع لمستقبل النظام الرأسمالى.. وبالتالى فهى مرشحه للظهور الدورى بما يتبعها بالضرورة من تأثيرات سلبيه على دول العالم.
  2. فيما يتعلق بازمة 2008 توصلت الدراسة الى مايلى :
  • ان تلك الازمة تحولت الي ازمة اقتصادية شاملة بتأثيرها على قطاع الاقتصاد الحقيقى، وهى أيضاً أزمة عالميه حيث بدأت فى الولايات المتحدة ولكن ما لبثت أن انتقلت الي الاقتصادات الأخرى بحكم تقلص الحواجز التى كانت تحول دون تسرب الصدمات الاقتصادية او التخفيف من حدتها.
  • أنها ازمة ناجمة عن الأزمة الجوهرية فى الربحية والتراكم فى الاقتصاد الحقيقى ، كما أنها تنبع فى الأساس من التحول الكيفى الذى أحدث الانتقال الي رأسمالية الاحتكارات التى تتحكم فى إعادة انتاج النظام الإنتاجي فى مجمله وفى كونها تعتمد على التركيز المالي فضلاً عن سيطرتها على التكنولوجيا والأسواق المالية والموارد الطبيعية .... وغيرها.
  1. انتقلت الأزمة المالية العالمية من الاقتصادات المتقدمة الي الاقتصادات الأفريقية من خلال قناتين : - - الاولى مباشره كنتيجة طبيعية للتعرض للروابط الملاية فى أسواق الديون والاسهم الدولية.
  • الثانية غير مباشرة من خلال الاقتصاد الحقيقى سواء فى مجال التجارة الخارجية او التحويلات او تدفقات المساعدات.

 وقد توصلت الدراسة الي أن القنوات غير المباشرة ذات التأثير على القطاعات الحقيقية كانت اكثر وضوحاً على الاقتصادات الأفريقية ، فى حين كانت القنوات المالية المباشرة ذات تأثير أقل ، كما اتضح ان هناك تباينات كبيره فى تأثير الأزمة بين الدول المختلفة داخل القارة الأفريقية نظراً للظروف الأولية التى سادت فى كل دولة قبيل اندلاع الازمة ، وطبيعة المؤسسات بكل دوله وكذلك وفقاً لدرجة ارتباط كل دوله بالاقتصاد العالمى.

  1. فيما يتعلق بتقييم دور مؤسسات التمويل الدولية فى إدارة الاقتصاد، فقد أوضحت الدراسة أن تلك المؤسسات لم تظهر كفاءتها فى تعزيز السياسات الاقتصادية اللازمة لتجنب الازمات المسقبلية، بل تحولت عن دورها الي نشر وتطبيق المذهب النيوكلاسيكى والتبشير بعمليات العولمة المالية بالصورة التى تخدم عمليات تدفق الموارد الطبيعية والسلع والخدمات والأموال من الدول النامية نحو الدول المتقدمة.

  2. اما فيما يختص بتقييم المجهودات الدولية فى مواجهة الأزمة توصلت الدراسة الي ان تلك التدابير لم تفلح فى علاج حالات عدم التوازن الثلاث الرئيسية فى الاقتصاد العالمى والتى تسببت فى حدوث أقوى أزمات الرأسمالية وهى:
  • حالة عدم التوازن بين الاقتصاد المالي والاقتصاد الحقيقى
  • استمرار حالة عدم التوازن او اللامساواة بين دول الشمال المتقدم ودول الجنوب النامى.
  • عدم التوازن البيئي الناتجة عن عمليات الاستنزاف المستمر لموارد الكوكب.

 بل وتوصلت الدراسة ايضا الى أن تلك التدابير قد ساعدت فى احداث المزيد من الاختلالات على الأصعدة الثلاث، حيث ارتكزت على علاج مظاهر الأزمة دون التعرض للأسباب البنيوية التى تختفى خلفها.

  1. بشان الاقتراحات التى اتبعت بهدف الخروج من الأزمة قد تلاحظ استخدام اسلوب معالجات يبدا دائما من اعلى الي اسفل دون اعطاء اي مساحة للمبادرات المستقلة التى قد تتخذها الدول النامية ومن ضمنها الدول الأفريقية لما لهياكلها الاقتصادية من خصوصية.
  2. هناك حاجة ملحه لدى الدول الافريقية لإيجاد منهج بديل للتنمية والنمو مغايرا لما كان سائدا قبل الأزمة العالمية الحالية والذى تسبب فى تكرار الصدمات الاقتصادية وهو بديل يتجاوز بالضرورة الحلول التقليدية التى خرجت من رحم الفكر الاقتصادى الرأٍسمالى ذاته.

وتأسيسا على ماسبق قدمت الدراسه ملامح عامه للسياسة الاقتصادية الواجب اتباعها فى دول القارة مرتكزة على مجموعة من الدعائم أهمها:

  1. تغيير قواعد العلاقات مع الاقتصاد العالمى، حيث يجب التميز بين وسائل التأهل للعولمة من جهة ووسائل الانخراط الفعلى فى العولمة والدخول فى المنافسة من جانب آخر، كما أن هناك حاجة ملحة أيضا لوجود نظام نقدى دولى يراعى مصالح كافة دول العالم بدلاً عن النظام النقدى الدولى الحالى الذى يستند على ما يمكن تسميته بالقاعدة النقدية الدولارية، وبالتالى اقترحت الدراسة التوجه نحو نظاماً دولياً يأخذ شكل المناطق الاقليمية النقدية.
  2. أهمية تحقيق الاستقرار المالى من خلال اصلاح النظام المالى الدولى القائم عن طريق المراقبة الحكومية المنهجية ومراقبة عمليات التمويل من خلال فرض درجة عالية من ملكية الدولة للنظام المصرفى بما يمكنها من المراقبة العامة لعملية توجيه الأرصدة الائتمانية نحو الاستثمارات المنتجة.
  3. التأكيد على أهمية التكتلات الإقليمية والاشكال المختلفة من التعاون الإقليمي الأفريقي سواء فيما يتعلق بسيطرة القارة على مواردها الطبيعية وتطوير التكنولوجيا وتطويعها لأهدافها التنموية او فيما يتعلق بدعم القدرة التفاوضية للدول الأفريقية.

 وتتمثل أهم السياسات الاقتصادية الافريقية المقترحة فى :

أولاً : إعادة هيكله القطاع الإنتاجي.. حيث تقترح الدراسة اعادة النظر فى النموذج الاقتصادى الذى يعتمد استراتيجية التوجه نحو التصدير بصوره مفرطة، والعمل على اعادة توجيه الاقتصادات الافريقية نحو استراتيجيات النمو المعتمدة على الاستثمار والاستهلاك المحليين والعمل على تنويع الهياكل الانتاجية.

ثانياً: التأكيد على الدور الفعال للدولة فى دفع عجلة التنمية الاقتصادية فى الدول الافريقية.

ثالثاً: ان تعمل الدول الأفريقية على مواصلة تطبيق استراتيجية حذره لمراقبة تدفقات رؤوس الأموال ووضع ضوابط لحركتها، بالإضافة الي اهمية اعادة التفكير وعدم التعجل فى تحرير المعاملات الرأسمالية.

رابعاً: اهمية وجود رؤية اوسع لأهداف السياسة النقدية بالعمل على اعطاء الأولية لتحقيق الاستقرار فى الانتاج وسعر الصرف ، بالإضافة للسيطرة على معدل التضخم، وهو ما يتطلب اتخاذ اشكال وسيطي من اشكال نظم الصرف بدلاً من التعويم الصريح لأسعار الصرف، بالإضافة لاستخدام سياسة نقدية مرنة فيما يتعلق بالأهداف التشغيلية.

خامساً: على مستوى السياسة المالية تؤكد الدراسة على ضرورة توجيه الانفاق العام نحو تعزيز الاستثمارات   المنتجة فى قطاعات الاقتصاد الحقيقى، بالإضافة للعمل على زيادة الانفاق على المشروعات الاجتماعية ذات الطابع العام مع ضرورة تمحور الاهداف المتوسطة الاجل للسياسة المالية حول تقليص مساحة الفقر بدلا من التركيز على الاستقرار وتحقيق ادنى معدل للتضخم واستبدال ذلك تنشيط عملية النمو المدفوع بالإنفاق العام ، كما ان هناك ضرورة لاتباع انظمة ضريبية تحقق العدالة فى توزيع الدخول مع الغاء كافة الاعفاءات الضريبية المقدمة للشركات متعددة الجنسيات والاحتكارات العالمية العاملة فى افريقيا.

سادساً: تقترح الدراسة تطبيق منهج للزراعة والتنمية الريفية اكثر شمولية ، مع ضرورة اعادة قراءة وتحليل امكانية تطبيق التعاونيات الزراعية الافريقية فى ظل محدودية القدرات الانتاجية للمزارعين الأفارقة وضعف قدراتهم التنافسية وذلك من خلال الاستفادة من تجربة التعاونيات الزراعية الأفريقية.

وفى الختام تؤكد الكاتبة فى مؤلفها هذا على أن أى بديل اقتصادي فى مواجهة الليبرالية العالمية لابد ان يكون بديلاً ديمقراطياً يتحقق من خلال حكومات ديمقراطية شعبية تعتمد المشاركة الشعبية فى اتخاذ القرارات مع توافر قدر عال من الحريات السياسية والاجتماعية التى تهيء المناخ لتشكيل القوى السياسية والاجتماعية القادرة على المشاركة الفعالة.