مانديلا ... و"رحلة طويلة من أجل الحرية"
18 فبراير, 2019
مانديلا ... و"رحلة طويلة من أجل الحرية"

من وسط أحراش جنوب إفريقيا وغاباتها العالية ظهر ببشرته السمراء وعينيه الحادتين وقد أخذ على عاتقه تحرير شعب بأكمله من ألوان الذل والمهانة والاستخفاف التي ألمت به، ومن أبشع حركة عرفها التاريخ الإنساني كله .. إنه نيلسون مانديلا... أشهر مناضل في القارة السمراء ... ذلك المناضل - احد أكثر الزعماء في عصرنا الحاضر تأثيرا وقبولاً- الذي رحل تاركاً للإنسانية إرثاً من الحرية والسلام والتعايش المشترك .. ، ذلك المناضل الراحل " نيلسون مانديلا "الذي وافته المنية في الخامس من الشهر الجاري حيث كان الآلاف - قبل نحو نصف قرن- يصلون من أجله ايضاً ولكن ليس تأبيناً له ولكن أملاً في ان ينجو من حكم بالإعدام قد تصدره ضده محكمة عنصرية ظالمة، وفي الـ‬ثاني عشر من يونيو عام ‬1964 تحديداً ورغـم الحكم عليه بالسجن مدى الحياة ، سطر المناضل نيلسون مانديلا مذكراته خلف قضبان محبسه وأطلق عليها «رحلتي الطويلة من أجل الحرية» ، إذ ظل يواصل مقاومته لنظام التمييز العـنصري من داخل سجنه، وقد عاش سبعة وعشرين عاماً من عمره في قبور الحياة ، وأقبية ودهاليز السجون ، ثم خرج منها خروج أسطوري ليصبح أول رئيس أسود لبلاده جنوب أفريقيا، ويكتب دستورها الذي هو من أعظم دساتير الارض اليوم .وفي معتقل بجزيرة معزولة لا يحوي سوي ليالي طويلة باردة غافل مانديلا سجانيه وكتب سيرته الذاتية محاولاً تهريبها الى الخارج، لكن لم يفلح معه الأمر هو ورفاقه ، واعتمد نيلسون مانديلا في توثيق كتابه بعد خروجه من السجن على كثير مما ذكره في مخطوطاته الأولى التي حاول تهريبها أثناء سجنه، وقد صدرت أول طبعة للكتاب باللغة الإنجليزية عام 1994وباللغة العربية عام 1998 وترجم إلى 23 لغة في مختلف أنحاء العالم.

"رحلتي الطويلة من أجل الحرية"... مذكرات شديدة التفرد لشخصية شديدة التميز تروي سيرة مانديلا الذاتية حيث لخص خلالها كيف يمكن لبضعة اشخاص ان يصنعوا المعجزات وكيف انتقل ذلك الطفل الافريقي الريفي الى سدة حكم جمهورية جنوب افريقيا، التي ظلت، معقل العنصرية لعقود، كما يعد الكتاب من أهم المراجع التي يمكن من خلالها التعرف على ملامح تجربته النضالية الفذة التي أسفرت بعد أكثر من نصف قرن عن إنتصار إرادة الجمـاهيرالمضطهدة وعودة السلطة إلى الأغلبية الأفريقية، ويروي مانديلا في هذا الكتاب بأسلوب تحليلي شيق- من واقع تجربته الشخصية- المراحل النضالية التي خاضها شعبه ضد سياسة التمييز العنصري القائمة على هيمنة البيض.
وتستعرض مذكرات المناضل الراحل أيامه الأولي منذ نعومة أظافره في إحدي القري الأفريقية مروراً بنضوجه وبداية تشكل وعيه السياسي بالأحداث من حوله بعد تذوق كؤوس العنصرية في معاملة أبناء شعبه من قيادات الفصل العنصري ، ثم انتقالاً الي جولاته بالدول التي لها تجارب مشابهة في النضال ضد الاستعمار ليعزز تجربة بلاده وانتهاءاً بسقوطه سجيناً لمدة 27 عاماً وهي أطول مدة سجن متواصل قضاها سجين .. تلك الفترة التي ما زادته إلا إصراراً علي قضيته وقضية بلاده .
كما ضمّن مانديلا مراجعاته لذاته، ولحظات الضعف الإنساني التي اعترته خلال رحلة الكفاح الطويلة ووقوفه أمام نفسه متسائلاً: ما الجدوى من كفاح يقود الى المعتقل؟ وما ذنب الأسرة الصغيرة؟ ولم يخف أساه عندما علم بوفاة أمه وهو في السجن، وكذلك عندما جاءه نباء وفاة ابنه في حادث سيارة ولم تسمح له السلطات بحضور جنازته، فكان مانديلا صادقاً شفافاً في تسجيل كل خلجات نفسه بما فيها من معاندة ولحظات انكسار عصفت به كأي انسان سُلبَت منه حريته .
ويبدأ مانديلا سيرته الذاتية بإستدعاء ذكريات طفولته في ريف أفريقيا حيث ولد دوليهلاهلا (الاسم الأصلي لمانديلا قبل أن تمنحه إحدى معلماته في ما بعد اسم نيلسون)، في قرية "مفيزو" بمنطقة "ترانسكي" التي تبعد مئات الأميال عن جوهانسبرج، في الـ‬18 من يوليو عام ‬1918، إذ كان والده ضحية لحكم جائر من «سيد أبيض»، ورحل والده تاركاً إياه في التاسعة من عمره لينتقل مانديلا الى وصي يقوم على شأنه وتربيته، تلقى نيلسون مانديلا تعليمه وحاز شهادة متوسطة والتحق بعدها بالجامعة، وصار محامياً للفقراء وانغمس في هموم أقرانه.
لم تكن قد تتبلورت أفكار المناضل الشاب خلال تلك المرحلة المبكرة من حياته وكان يرى في النظام البرلماني الغربي قمة الديمقراطية، وعاش خلال تلك المرحلة منبهراً بنمط الحياة الإنجليزي، الى أن ترك الإقليم الذي يستقر فيه، ورحل إلى مدينة جوهانسبرج وفيها فتح مانديلا عينيه على مظاهر البؤس التي يحياها كثير من الأفارقة..ويقول مانديلا فى ذلك :«كانت جريمة أن تدخل من باب مخصص للبيض، وجريمة أن تركب حافلة للبيض، وجريمة أن تستعمل صنبور مياه للبيض، وجريمة أن تسير على شاطئ مخصص للبيض، وجريمة أن توجد في الشارع بعد الحادية عشرة مساء، وجريمة ألا تحمل دفتر تصاريح، وجريمة أن يكون هناك توقيع خطأ في الدفتر، وجريمة أن تكون عاطلاً، وجريمة أن تصل في المكان الخطأ، وجريمة أن تسكن في المكان الخطأ، وجريمة ألا يكون لك سكن، كنا نسمع يومياً آلاف الإهانات التي يلقاها الأفارقة في حياتهم" .
وعلي خلفية كل هذا الظلم وعدم المساواة تفتحت مداركه للعمل السياسي، فأنخرط بكل مشاعره ووجدانه في حركة النضال الشعبية المناهضة للنظام العنصري، وكان عضواً فعالاً في حزب المؤتمر الوطني الأفريقي، ثم ركناً من أركانه، ثم مؤسساً وقائداً لجهازه العسكري وعاش وهو يقارع الظلم جهاراً من داخل صفوف الحزب ومن خلال مهنته كمحام، وخفية من خلال العمل السري وهو طريد تلاحقه سلطات القمع والاستبداد.
أصبح مانديلا أحد وجوه النضال في بلاده ضد (نظام التمييز العنصري)، وأصبح مطلوب لدى السلطات، يحكي عن تلك الفترة قائلا: «أصبحت مخلوقاً ليلياً، فكنت لا أخرج لعملي إلا في الظلام، وفي الأساس كنت أعمل في جوهانسبرج، لكنني كنت أسافر إذا استدعى الأمر كنت أقيم في شقق خالية وفي منازل الآخرين، وفي أي مكان يمكن أن أكون فيه وحيداً وغير مرئي، وعندما كنت أعيش مختبئاً كنت لا أسير طويلاً معتدل القامة، وكنت أتكلم بصوت خفيض من دون وضوح أو تميز، وكنت لا أسأل عن أي شيء، بل كنت أترك الآخرين يخبرونني عما أعمل، وكنت غالباً ما أتخفى كسائق أو طباخ أو بستاني، وكنت أرتدي الزي الأزرق أو زي عمال الزراعة".
تحول مانديلا في مسيرة النضال للوصول الى الحرية، من الشاب الذي يرى طوق النجاة في اتباع النهج الغربي، حيث التحضر والثقافة، إلى مناضل عنيد يقطع عهداً لأفريقيته بأن يستودعها حلاً لأزمات العنصرية في بلاده وفي القارة السمراء كلها، واستطاع الهروب من جنوب إفريقيا، وتواصل مع زعماء دول تحاول التحرر والنهوض، وزار العديد منها، فحل في إثيوبيا والسودان، واطلع على تجارب المقاومة في الجزائر، والتقى ثواراً في المغرب، وكانت له وقفة خاصة مع مصر تحديداً، مع حضارتها القديمة، ومشروع التحديث الذي حاول إرساءه الزعيم الراحل جمال عبدالناصر، يقول مانديلا عن ذلك في مذكراته: «كانت مصر قد ملكت مخيلتي وأنا طالب كمهد للحضارة الإفريقية وكنز لجمال الفن والتصميم، وكنت دائماً أرغب في زيارة الأهرام وأبو الهول وعبور نهر النيل أعظم أنهار إفريقيا، ذهبت الى القاهرة وقضيت يومي الأول في المتحف أفحص القطع الفنية، وأدون الملاحظات وأجمع المعلومات عن نمط الرجال الذين أسسوا حضارة وادي النيل القديمة، ولم يكن اهتمامي اهتمام هاوياً للآثار، بل كان همي هم كل الأفارقة القوميين اللذين أرادوا أن يتسلحوا بالبرهان ليدحضوا به إدعاءات البيض بأن الأفارقة لم تكن لهم في الماضي حضارة تضارع مدنية الغرب، واكتشفت في صباح اليوم الثاني أن المصريين كانوا يبدعون أعمالا فنية ومعمارية عظيمة، بينما كان الغربيون في الكهوف، وكانت مصر نموذجاً مهماً لنا، فقد كان أمامنا على الطبيعة برنامج الإصلاح الاقتصادي الذي أطلقه جمال عبدالناصر، فقد حدد الملكية الخاصة للأراضي الزراعية، وأمم بعض قطاعات الاقتصاد، وكانت له الريادة في بدء برنامج سريع للتصنيع وجعل التعليم حق لجميع أبناء الشعب، وبنى جيشاً حديثاً. وكان كثير من تلك الإصلاحات بالتحديد ما يطمح المؤتمر (الوطني الإفريقي) إلى تحقيقه، وكان الأهم بالنسبة إلينا في ذلك الوقت أن مصر كانت الدولة الإفريقية الوحيدة التي تمتلك جيشاً وأسطولاً بحرياًٍ وجوياً يمكن أن يقارن بذلك الذي تمتلكه جنوب إفريقيا".
يأخذ مانديلا القارىء للعيش معه سجيناً في «جزيرة روبن»، ثم مفاوضاً من أجل مستقبل وطنه وشعبه، فرئيساً لأول حكومة شرعية ديمقراطية تحل محل حكم البيض العنصري الذي دام ثلاثة قرون.ويصور مانديلا في سيرته الذاتية يوميات سجنه، ويمنحها مساحة كبيرة، فهي ‬27 عاماً، وليست مجرد فترة عابرة، ولا ينسى المناضل الجنوب إفريقي أن ينسب بعض الفضل لأهله، فالصورة لم تكن شديدة القتامة طوال تلك الأعوام، فثمة أيام خففت وطأة محبسه فيها سجان يتعاطف معه ويمرر إليه بعض الأشياء كالجرائد والأوراق أو طعاماً مختلفاً أو ملابس جديدة، وقد حمل نيلسون مانديلا راية التمرد في المعتقل إذ رفض في البداية الزي الذي كان يوزع على المساجين السود تحديداً ورفض أن يرتدي الشورتات القصيرة، التي تظهر المساجين السود كأنهم صبيان فاقدو الأهلية، ورفضت سلطات السجن تذمر المناضل نيلسون مانديلا، واقتادته الى حبس انفرادي، ولكن لم يكن ذلك فصله الأول والأخير مع رفض استبداد السجان إذ عمل على تحسين أحوال المحبوسين وليس حاله هو تحديداً، تارةً لتحسين الطعام وتارةً أخري لتخفيف العمل، وتوفير ظروف شبه إنسانية للمسجونين.
ومع نهاية الثمانينات، برق خيطاً وامضاً في النفق المظلم، حيث تصاعدت الاحتجاجات في خارج السجن في ساحات جنوب إفريقيا، وطالب زعماء وقادة بعض الدول بإطلاق سراح مانديلا، مما دفع رئيس جنوب إفريقيا حينها إلى الدخول في مفاوضات مع السجين المناضل مقابل إذعانه لحزمة من الإشتراطات ، لكن مانديلا رفض الاشتراطات، وأجبر السلطات على الجلوس معه والتفاوض بلا أي تنازلات، وخلال تلك الفترة التفاوضية تحديداً كان شبه مطلق السراح يقيم في استراحة خاصة، حتى تم الإفراج عنه في ‬1990.
استُقبِل نيلسون استقبال الأبطال، وخطب في شعبه في العديد من المدن، وصدم السلطات التي كانت تظن أن السجن قد أوهن عزيمته، وأنه قد وصل الى أقصى ما يتمناه من شهرة، إذ أعلن نيلسون مانديلا عن مواصلته السير علي درب المقاومة حتى يواصل تحقيق أحلام شعبه، وينهي تماماً نظام التمييز العنصري في بلاده، وينعم الكل في وطنه بالمساواة والكرامة الإنسانية، بل وأعلن أنه مستعد للذهاب إلى السجن مرة أخرى من أجل استكمال مسيرة الحرية التي بدأها وهو شاب، وقد اعترفت السلطات بالمؤتمر الوطني ولم يعد هناك حظر على أعضائه وعلى غيره من المنظمات، كما تم الإفراج عن المسجونين السياسيين وتم هدم نظام الفصل العنصري، لتشرق شمس جديدة على جنوب إفريقيا بفضل مانديلا ورفاقه.
ختم الزعيم نيلسون مانديلا مذكراته بسطور تعلن مرحلة مختلفة في حياته وتقدم قناعة جديدة أضافتها الأيام والتجارب الي إرادته قائلا: « لم أولد وعندي فهم للحرية، فلقد ولدت حراً قدر معرفتي عن الحرية، كنت حراً أن أجري في الحقول قرب كوخ والدتي، وحراً في أن أسبح في القناة الصافية في قريتي وأمارس النشاطات الصبيانية الأخرى، لكن في جوهانسبرج رأيت بالتدريج أنني لست حراً، وإن جميع من هم على لوني لا يتمتعون بالحرية، والتحقت بالمؤتمر الوطني الإفريقي، حينها تبدل فهمي لحريتي بفهم أكبر لحرية شعبي، وخلال تلك السنوات الطويلة تحول فهمي لحرية كل الناس بيضاً وسوداً، فقد كنت أعلم أنه لابد من تحرير الظالم من الكراهية والتحيز وضيق الأفق، وحينما خرجت من السجن كانت مهمتي هي تحرير الظالم والمظلوم، وقد يقول البعض إنه تم إنجاز ذلك، لكني أعلم أن هذا غير صحيح، فقد خطونا الخطوة الأولى فقط على طريق أطول وأصعب، فلكي تكون حراً لا يعني ذلك أن تلقي بقيدك فحسب، بل أيضاً أن تعيش بطريقة تحترم وتعلي من حريات الآخرين، ولقد سرت ذلك الطريق الطويل نحو الحرية وحاولت ألا أتعثر، لكنني اتخذت خطوات خاطئة على الطريق، وقد اكتشفت السر أنه بعد أن يكمل الإنسان تسلق تل يكتشف أن هناك تلالاً أخرى كثيرة عليه تسلقها. لقد أخذت لحظة هنا للراحة لأسترق النظر الى ذلك المشهد المجيد الذي يحيط بي، وأنظر خلفي الى المسافة التي قطعتها، لكنني لا أستطيع التوقف سوى لحظة، لأن الحرية تأتي بمسؤوليات، ولا أستطيع الإطالة، لأن مسيرتي لم تنته بعد"
رحم الله الزعيم الراحل الذي وثّق في مذكراته رسالة سلام ورقي إلى العالم ، صبغها بسمرة لون الجلِد ونقحها ببصيرة من يدرك قيمة الوطن وأودعها كأمانة لدي التاريخ لكل من أراد أن يدرك ما هو الطريق الي الحرية والديمقراطية ...ذلك الدرب الذي يتلخص بمنتهي البساطة في صدق العقيدة بما هو معتقَد وعزم الهِمم لبلوغ الغايات .
عرض :شرين ماهر